بقلم البروفيسورة ديما جمّالي:
النزاعات لا تدمر البنية التحتية فحسب، بل تعطل أيضاً الزخم الاقتصادي، خصوصاً من خلال تأثيرها على التعليم وسلسلة المواهب التي تغذي النمو.
في أوقات عدم الاستقرار، يتركز الاهتمام بشكل طبيعي على الأمن والدبلوماسية. لكن نتيجة أخرى أقل وضوحاً تظهر بالتوازي: تعطّل التعلم، وجاهزية القوى العاملة، وريادة الأعمال، وثقة المستثمرين. وفي الاقتصادات التي تعاني أصلاً من الهشاشة، تتضاعف هذه الآثار بسرعة.
تقدّر مجموعة البنك الدولي أن كل سنة إضافية من التعليم ترفع دخل الفرد بنسبة تتراوح بين 8% و10%. وعندما يتعطل المسار التعليمي ولو مؤقتاً، يمكن أن يتحول فقدان رأس المال البشري إلى تراجع ملموس في الإنتاجية على المدى الطويل.
في الجامعات في المنطقة، أصبح هذا التأثير واضحاً. يتم تأجيل فرص التدريب، وتؤخر الشركات دورات التوظيف، ويعيد الطلاب النظر في خططهم المهنية والتنقلية. كما يؤجل رواد الأعمال إطلاق مشاريعهم. ورغم أن هذه القرارات مفهومة على المدى القصير، فإنها تضعف الديناميكية الاقتصادية تدريجياً.
يُعد التعليم مؤشراً مبكراً على مرونة الاقتصاد. ففي العديد من اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تشكل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة أكثر من 80% من فرص العمل. وتعتمد هذه الشركات على تدفق مستمر من الخريجين والمهنيين في بداية مسيرتهم للحفاظ على الإنتاجية والابتكار.
وتواجه المنطقة أصلاً معدلات بطالة شبابية تقارب 25% بحسب تقديرات منظمة العمل الدولية. ويؤدي تعطّل التعليم في أوقات النزاع إلى توسيع الفجوة بين التعليم وفرص العمل، كما يسرّع هجرة الكفاءات عندما يبحث الخريجون المهرة عن الاستقرار في الخارج.
تلعب الجامعات دوراً مهماً في الحفاظ على الاستقرار من خلال ضمان استمرارية التعليم عبر نماذج تعلم مرنة، والتعليم الهجين، وبرامج قائمة على المهارات. فهذه الإجراءات لا تضمن فقط استمرار العملية التعليمية، بل تساعد أيضاً في حماية سلسلة المواهب واستمرار إنتاج المعرفة.
كما أن الحفاظ على الجسور بين التعليم وسوق العمل أمر بالغ الأهمية. فالشهادات المصغرة ونماذج التعلم التراكمي يمكن أن تساعد في سد الفجوات التي يسببها تعطل المسارات التعليمية.
إن الاقتصادات المرنة لا تُعرّف بغياب الصدمات، بل بمتانة مؤسساتها. فالأنظمة التعليمية والأطر المالية والشراكات مع القطاع الخاص التي تستمر في العمل—even وإن كان ذلك بشكل غير كامل—تمنع الأزمات المؤقتة من التحول إلى انتكاسات طويلة الأمد.
إن حماية التعليم وسلسلة المواهب خلال فترات عدم الاستقرار ليست مسؤولية اجتماعية فحسب، بل ضرورة اقتصادية استراتيجية للدول التي تسعى إلى التعافي وتعزيز قدرتها التنافسية على المدى الطويل.