كَتَبَ رئيس دائرة الإعلام الداخلي وعضو المجلس المركزي في القوّات اللبنانيّة مارون مارون مقالاً في صحيفة "نداء الوطن" بعنوان: رسالة إلى مَن يُزوّر الحقيقة… ردّاً على بيان "الحزب" إلى البابا
لم يكن بيان "حزب الله" الموجَّه إلى الحبر الأعظم مجرد رسالة بروتوكوليّة بمناسبة الزيارة البابوية إلى لبنان. كان، في جوهره، محاولة جديدة لصياغة رواية سياسية وأخلاقية مقلوبة، تقدّم "الحزب" بصورة المدافع عن الإنسان وحقوقه، وترسم لنفسه دور الحامي للسيادة والإستقرار، وكأن اللبنانيين لا يعيشون منذ عقود في واقعٍ صنعه السلاح غير الشرعي، والفوضى العسكرية، وقرار الحرب والسلم الخارج من الدولة.
لم ينسَ "الحزب" أن يملأ رسالته بالعبارات المنمّقة حول "احترام الإنسان" و"حقوق الشعوب"، لكن اللبنانيين يعرفون جيداً أن الأزمة الكبرى التي تنهش هذا الوطن لم تولد من غياب الحقوق، بل من مصادرة قرار الدولة عبر سلاحٍ فوق القانون، ومَن زجّ لبنان في صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.
أيّ حديث عن "السيادة الوطنية" يصدر عن جهة تُعلن جهاراً أنها جزء من محور إقليمي مُسلّح، وتتبنّى استراتيجية عسكرية تعمل بمعزل عن الجيش والدولة؟ وأيّ دعوة إلى "الاستقرار الداخلي" تأتي ممّن عطّل المؤسسات، واحتكم إلى الشارع حيناً، وإلى القوة حيناً آخر، كلما لامست الدولة قراراً لا يعجبه؟
لا شك أنّ ما جرى في غزة مأساة كبرى، وأن الشعب الفلسطيني يستحق دولة وحرية وكرامة. لكن "الحزب" يستخدم هذه المأساة أخلاقياً وسياسياً ليغطي أدواره في إشعال الحدود اللبنانية، وتحويل الجنوب إلى ساحة تُدار بالنيابة، وتوريط لبنان في حرب مفتوحة لا تُتّخذ قراراتها في مؤسسات الدولة، بل في غرف محورٍ إقليمي.
الدفاع عن فلسطين لا يُبرّر تحويل لبنان إلى منصة صواريخ، ولا يجعل من اللبنانيين "وقوداً" لمعركة لا يقرّرونها، ولا يحجب حقيقة أنّ "الحزب" لم يسأل يوماً عن الساحل والقرى والبلدات التي تهجّر أهلها مجدداً، ولا عن العائلات التي خسرت أرضها وبيوتها ومصدر رزقها بسبب حربٍ لا قرار وطنياً بإشعالها.
يُكثر الحزب من الكلام عن "طمع الآخرين" و"تسلّط القوى الكبرى"، لكنّ اللبنانيين يعرفون أنّ التسلّط الحقيقي في الداخل هو ذاك الذي صادر الحدود الشرعية، وقرّر الحرب والسلم، وفرض على الدولة شراكة قسريّة لا نصّ لها في الدستور.
السيطرة ليست تلك التي تُلوّح بها الدول من بعيد، بل تلك التي تُمارَس يومياً في المرفأ والمطار والمرافق الحيوية، وفي السياسة والإقتصاد والأمن. والسيادة ليست شعاراً في بيان، بل ممارسة كاملة تعجز عنها الدولة لأن هناك من يحتكر القوة ويستثمر فيها.
لبنان ليس صورة واحدة، وليس رواية واحدة. لبنان الذي وصفه القديس يوحنا بولس الثاني بـ "الرسالة" لا يُختزل برسالة حزب، ولا يتحدّد بدور فئة تحمل السلاح خارج الدولة. لبنان رسالة لأن تنوّعه حرّ، ولأن العيش المشترك فيه لا يقوم على الغلبة، بل على المشاركة والإحترام المتبادل.
وإذا كان البابا يزور لبنان حاملاً السلام، فإن واجب الحقيقة يقتضي القول: السلام لا يتحقق ما دام قرار الدولة منقوصاً، وما دام السلاح منفلتاً من شرعية المؤسسات، وما دام اللبنانيون مشرَّدين من أرضهم بسبب معارك تُدار من خارج الحدود.
في الختام… لبنان لن يقوم على بيان، بل على حقيقة واحدة يحاول "الحزب" طمسها هي أنّ لبنان لن يستعيد دوره ودولته واستقراره إلا حين يكون جيشه القوة الشرعيّة الوحيدة، وحين تُغلَق كل منافذ التفرّد الأمني والعسكري، وحين تتحرّر السياسة اللبنانية من ثقل المحاور الخارجية.
أما بيانات التجميل، مهما طالت، فلن تُغيّر حقيقة أن السلاح لا يصنع عيشاً مشتركاً، ولا يبني دولة، ولا يكتب رسالة سلام إلى بابا السلام... والسلام