لم تعد المواعيد الدستورية حدثاً ينتظره اللبنانيون بقلق ديموقراطي، أصبحت خبراً عادياً في نشرات مزدحمة بالحرب، فالانتخابات النيابية التي كان يفترض أن تعقد في أيار تحولت إلى تفصيل مؤجل في زمن مفتوح على المجهول، بالتالي الناس تسأل اليوم عن مصير وطن يُدفع مرة جديدة إلى حافة الانتحار بعدما أقحمه "حزب الله" في مواجهة أُخرى تفوق قدرته على الاحتمال.
فالمشهد تبدل بالكامل، من نقاش حول البرامج إلى هواجس تتصل بالبقاء، ومن حسابات صناديق الاقتراع إلى حسابات الملاجئ والمدارس التي تؤوي نازحين، وفي الخلفية سؤال واحد يتقدم هل تبقى الدولة قادرة على تنظيم استحقاق دستوري فيما قرار الحرب ليس في يدها؟
في هذا السياق، يؤكد عضو تكتل الجمهورية القوية النائب فادي كرم لموقع Lebtalks أن الاستحقاق الانتخابي أولوية لدى التكتل وحزب القوات اللبنانية، إلى جانب مسألة حصرية السلاح والسيادة، غير أن الوقائع الميدانية تفرض معادلات مختلفة فحين تتجاوز الأحداث قدرة الدولة على الضبط، يصبح السؤال عن إمكانية إجراء الانتخابات مشروعاً، لا سيما مع تصاعد التوتر واتساع رقعة الحرب، ومع ملف النزوح الذي يضغط على البنية الاجتماعية والإدارية.
ويشير كرم إلى أن ما يجري يتخطى قرار اللبنانيين أنفسهم إذ ترتبط الساحة الداخلية بحسابات إقليمية أكبرفي ظل سعي واضح لجر البلاد إلى إطالة أمد المواجهة، بما يخدم أوراق ضغط خارجية وهو ما يجعل مصير الاستحقاق معلقاً على تطورات لا يملك الداخل مفاتيحها كاملة.
في المقابل، يرى عضو كتلة التنمية والتحرير النائب قاسم هاشم أن الحديث عن الانتخابات اليوم تراجع إلى المرتبة الثانية، بعدما تقدمت الحرب إلى الواجهة مع ما يرافقها من مؤشرات خطرة عن احتمال توسع العمليات البرية، ما يجعل تحديد المسار أو التوقيت أمراً بالغ الصعوبة، فباب الترشيحات يقفل الأسبوع المقبل غير أن المشهد الأمني لا يوحي بإمكان خوض معركة انتخابية تقليدية فيما البلاد على صفيح ساخن.
ومن زاوية أخرى، يعتبر النائب مارك ضو أن إجراء الانتخابات خلال أسبوع واحد في ظل الحرب يبدو شبه مستحيل، إذ كيف يمكن لمرشح أن يطلق حملته والناس في المدارس ومراكز الإيواء، وكيف تُدار معركة سياسية فيما الأولوية للبقاء والأمان، وهو يقر بأن هامش الإلغاء أو التأجيل يتسع كلما طال أمد المواجهة خصوصاً أن المهلة الفاصلة عن إقفال باب الترشيحات قصيرة ولا تسمح بتحضير جدي في ظروف استثنائية كهذه.
أما كتلة اللقاء الديمقراطي، فعلى لسان النائب هادي ابو الحسن تؤكد تمسكها بإجراء الانتخابات في موعدها الدستوري، مع الإقرار بأن الظروف القاهرة قد تفرض مساراً مختلفاً، فإذا توقفت الحرب سريعاً يمكن استدراك الوقت واستكمال الترشيحات والتحالفات، أما إذا استمرت المواجهة فإن الواقع الميداني سيحكم الإيقاع وعندها يصبح من الضروري التحرك فور توقف العمليات لوضع آلية سريعة تضمن إجراء الاستحقاق، خاصة أن العقد الاستثنائي يمتد حتى منتصف آذار، ما يتيح هامشاً دستورياً لإعادة تنظيم الأولويات وفق ما تفرضه التطورات.
بين هذه المواقف يتكشف عمق الأزمة، كَوْن القضية لم تعد تقنية تتصل بموعد أو مهلة، هي سياسية بامتياز إذ إن أي انتخابات تجرى على وقع المدافع تفقد جوهرها التمثيلي، فيما التأجيل المفتوح يضرب الحياة الدستورية في صميمها، وهنا يبرز التحدي الفعلي: هل يعود قرار الحرب والسلم إلى كنف الدولة فتستعيد المؤسسات انتظامها الطبيعي، أم يبقى الاستحقاق أسير مسار عسكري فرضه تهور الحزب، يحدد وحده إيقاع السياسة وتوقيتها؟