ناقش نوّاب الأمة موازنة العام 2026 عشرات الساعات، وقد طغت على النقاشات مطالبات شعبوية سبق أن سمعناها أيام سلسلة الرتب والرواتب المشؤومة العام 2017. كثير من النواب تحدّثوا عن "إعطاء حقوق"، من دون أي إشارة إلى كيفيّة تأمين هذه الحقوق: لا يطالبون باستبدال إنفاق بآخر، أو بالاستدانة، أو بطبع الأموال. يطالبون بمليارات الدولارات من دون أي إشارة إلى كيفية تأمين هذه الأموال. يتحدّثون عن "غياب الرؤية" (وهذا صحيح)، لكن من دون تقديم أي رؤية، لأن الرؤية الوحيدة التي يمكن تقديمها في ظلّ المال المتوفر غير شعبية، فهي تستند أولًا وأخيرًا إلى إصلاح جدّي وجريء في حجم ودور القطاع العام في لبنان. فمن العجيب الغريب - بعد كلّ الذي مرّ به لبنان منذ الانهيار عام 2020، أن لا تقدّم الحكومة رؤية راديكالية لقطاع عام أُتخم بالزبائنية السياسية - الطائفية بين عامي 2010 و 2019، بشكل غير مسبوق في التاريخ الحديث إلا لدى الدول التي أصيبت بلعنة النفط (oil curse). إلا أن المشكلة الحقيقية، قبل أن تكون في حجم القطاع العام، هي في حجم الموازنة نفسها.
لا شك أن وضع موازنة من دون عجز (ولو مع كثير من "الزعبرة" بالأرقام) عمل إيجابي من قبل الحكومة، ولو أنها قامت به "مجبرة لا بطلة" (شكرًا للـ IMF!). إلا أن الرقم نفسه هو الذي يجب أن نتوقف عنده، ويبدأ منه الحديث أصلًا. لا يوجد شركة أميركية في لائحة كبرى الشركات (Fortune 500) إيراداتها أقلّ من 7.4 مليارات، لذا لا يمكننا مقارنة الموازنة بموازنة شركة أميركية كبرى. دعونا من أميركيا. العدو الغاشم، جارتنا إسرائيل (التي كان أحدهم يريد اجتياحها بالفرقة الموسيقية)، ميزانيتها 213 مليار دولار، أي 38 ضعف ميزانية الدولة اللبنانية. ميزانيتها العسكرية وحدها 34 مليارًا، أي حوالى سبعة أضعاف ميزانية الدولة اللبنانية. دعونا من إسرائيل. الأردن، الدولة العربية المتوسّطة الدخل والتي تعاني من تحديات استراتيجية تعد ولا تحصى، ميزانية دولتها لهذا العام 16 مليار دولار (مع عجز بمليار دولار)، أي ثلاثة أضعاف ميزانية الدولة اللبنانية. من الصعب إيجاد دولة في العالم ميزانية دولتها أقل من 6 مليارات دولار (ما عدا بعض الدول الأفريقية والـ microstates). بعد البحث والتدقيق وجدت أن دولة بروناي ميزانية دولتها حوالى 5 مليارات، إلا أن حجم شعبها لا يتعدى الخمسمئة ألف نسمة (كذلك حال آيسلاندا). بمعنى آخر، مصيبة الموازنة الأولى هي في حجم إيرادات الدولة، التي لا تتعدّى الـ 6 مليارات دولار، ما يشكّل استثناءً سلبيًا على مستوى العالم.
ما سبب هذا الرقم المتدني، الذي من خلاله لا يمكننا القيام أصلًا بأي استثمارات تذكر؟ لا شكّ أن الانهيار المالي وسوء الإدارة الإجرامي الذي قامت به الحكومات بين عامي 2020 و 2024 (صرف المصرف المركزي هدرًا 20 مليار دولار بعد وقوع "الأزمة") أساسي في أي نقاش، إذ إن حجم الناتج المحلي اللبناني قبل الأزمة كان خمسين مليار دولار، وكان مدخول الدولة يبلغ عشرة مليارات دولار. أما اليوم فالناتج المحلي حجمه 30 مليار دولار، ومدخول الدولة 5.6 مليارات دولار. عدا عن نتائج الأزمة المالية، هناك سببان أساسيان لتدني الناتج المحلي وإيرادات الدولة. السبب الأول هو أنه خلال العام الأول من العهد الجديد، لا توجد شركة واحدة معتبرة، لبنانية أو أجنبية، قامت باستثمار جدّي في لبنان. هذا بقرار دولي - عربي شبه علني، مفاده أن لا استثمارات استراتيجية في لبنان من دون نزع سلاح "حزب الله" وإنهاء حالة العداء مع إسرائيل. أبرز مثال على ذلك قطاع الكهرباء. يترافق مع ذلك بطبيعة الحال أن لا تقدّم في أعداد السياح الأجانب (الدولة تسمّي المغتربين الآتين لزيارة أهلهم "سياحًا"). لا سياح من المملكة العربية السعودية الذين يشكلون العمود الفقري للمدخول السياحي في لبنان. لا تصدير إلى المملكة العربية السعودية. بمعنى آخر، طالما "حزب الله" يرفض تسليم السلاح، والدولة لا تتعاطى معه بحزم، لا نهوض اقتصادي. لا شركات. لا مشاريع. لا فرص عمل. لا وقف للهجرة. لا تقدّم جدّيًا في إيرادات الدولة. لا ميزانية معتبرة. لحسن الحظ، لم يعد هناك من يحدّثنا بنظريات "التوجه شرقًا"، فعل الأقل أصبح باستطاعتنا التعامل مع الوقائع أعلاه بالجديّة المطلوبة.
اما السبب الثاني فهو اعتماد الاقتصاد بشكل تام على الجزء "القانوني" من المواطنين والشركات الذين يدفعون ضرائبهم، مع "إعفاء" الجزء الآخر من أي مسؤوليات تجاهه. هذا يبدو واضحًا إذا قارنّا حجم الميزانية للعام 2026 نسبة للناتج المحلّي بدول أخرى. إن ميزانية لبنان تشكّل 15 % من حجم الناتج المحلي، فيما الميزانية في الأردن تشكّل 25 % من حجم الناتج هناك (النسبة هي نفسها في دول مثل فرنسا). التهرّب الضريبي والجمركي تحسّن بعد هزيمة "حزب الله" في الحرب (زادت إيرادات الجمارك مليار دولار) إلا أن الكثير من مخلّفات منظومة المافيا والميليشيا ما زال بحاجة إلى عمل مضنٍ.
إذًا المشكلة قبل كلّ شيء هي قلّة مردود الدولة، التي من الطبيعي أن تكون ميزانيتها تفوق العشرين مليارًا. أما وقد ابتلانا "حزب الله" ومن معه بميزانية بهذا الحجم المخزي، فكان على الحكومة أن تبادر بطريقة أرجنتينية (نسبة لسياسات الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلاي) إلى إحداث ثورة إصلاحية في القطاع العام، عبر إلغاء مجموعة كبيرة من المؤسسات والهيئات و "الصناديق" التي لم تنشأ إلا لتثبيت زعامات سياسية فانية، كما على الأقل تقديم رؤية متكاملة لحجم وطبيعة القطاع العام المنتفخ، والذي يدفع ثمنه قبل أي مواطن آخر الموظف العام "الآدمي" والمتقاعدون من الأسلاك المدنية والعسكرية. بدل ذلك أعطت مجلس الجنوب مالًا لإعمار القرى المدمّرة، وما أدراكم ما هو مجلس الجنوب!