نصار: التعاون القضائي الدولي ضرورة حتمية

nsar-mrtynos

نظمت وزارة العدل مؤتمرا بعنوان:"العدالة بلا حدود: تعزيز التعاون في مواجهة الجرائم العابرة للحدود"، الذي تناول آليات وتحديات التعاون الدولي في مكافحة الجرائم الخطرة والعابرة للحدود في بيت المحامي في حضور وزير العدل عادل نصار ، نقيب المحامين عماد مرتينوس، رئيس منظمة اورو جست ميشال شميد ، وممثلي الاتحاد الأوروبي،مفوض الحكومة لدى المحكمة التمييز القاضية ميرنا كلاس ،بالاضافة إلى عدد من رؤساء المحاكم والقضاة وعدد كبير من المحامين والقانونيين.

يأتي هذا المؤتمر ليشكل مساحة حوار متخصصة، ترمي إلى إلقاء الضوء على أهمية التعاون القضائي الدولي في مواجهة الجريمة المنظمة والجرائم العابرة للحدود، وعلى الدور المحوري الذي تؤديه وزارة العدل، ومنظمة Eurojust ، والنيابة العامة التمييزية، ونقابة المحامين في تعزيز فعالية التحقيقات وتكامل الجهود.

بعد النشيد الوطني ونشيد نقابة المحامين قدّم القاضي جوزف تامر المؤتمر بكلمة قال فيها:لا يختلف اثنان على أن التطورات الكبيرة والمتسارعة التي يشهدها عالمنا منذ عقدين من الزمن، ولا سيما في مجال التكنولوجيا، قد أسهمت في تعزيز التواصل والتبادل بين الدول والشعوب، وفتحت آفاقا هائلة للنمو الاقتصادي والتجاري. غير أن هذه البيئة المفتوحة المستجدة لم تقتصر آثارها على الجوانب الإيجابية فحسب، بل أنت، بصورة أكيدة، إلى إعادة صياغة العديد من المفاهيم والقواعد القانونية التي كانت، حتى الأمس القريب، تحمل دلالات مختلفة عما هي عليه اليوم. ولعل من أبرز هذه المفاهيم مفهوم السيادة، الذي تغير على مستويين : فمن جهة، إن التعريف التقليدي للسيادة، بوصفها تشمل الإقليم البري والبحري والجوي، لم يعد كافيا في عصرنا الحالي، بعدما أصبح الفضاء السيبراني مكونا أساسيًا من مكونات سيادة الدولة، يوازي في أهميته باقي المكونات، وتخصص لحمايته موارد وإمكانات كبيرة للحؤول دون التعدي عليه.ومن جهة أخرى، فإن هذا الفضاء السيبراني نفسه قد أدى إلى تلاشي الحدود الجغرافية بين الدول ما أسهم في إحداث تحول جذري في طبيعة التهديدات، وفي أساليب الاعتداء على المصالح الوطنية. وعليه، لم تعد السيادة تعني قدرة الدولة على مكافحة الجريمة ضمن حدودها الوطنية بصورة منفردة بل باتت ترتكز على مدى قدرتها على التعاون مع غيرها من الدول لمواجهة أخطار مشتركة تتجاوز حدودها. ذلك أن الجريمة لم تعد محصورة في نطاق جغرافي محدّد، بل أصبحت عابرة للحدود، تمارسها شبكات منظمة تستفيد من التطور التكنولوجي، وتعقيد الأنظمة المالية، وتفاوت التشريعات الوطنية، لتوسيع نشاطها الإجرامي والإفلات من الملاحقة والعقاب".

اضاف:"وهنا يبرز سؤال جوهري :كيف يمكن لقاض أو لمدع عام أو جهة تحقيق أن تلاحق جريمة معينة، إذا كانت أدلتها في دولة، ومشتبه بها في دولة ثانية، وأموالها في دولة ثالثة، وآثارها الرقمية موزعة عبر قارات مختلفة؟هذا السؤال لم يعد نظريا، بل أصبح واقعا عمليا تواجهه أنظمتنا القضائية يوميًا.وأمام هذا الواقع العسير، حيث تتعاظم الجرائم المنظمة والإرهاب، والاتجار بالمخدرات والبشر، والجرائم الإلكترونية والمالية المعقدة، لم يعد التعاون القضائي الدولي مجرد خيار إضافي، بل أصبح ضرورة حتمية.فمن خلال هذا التعاون، ننتقل من جهود وطنية متفرقة إلى مقاربة دولية منسقة، تقوم على الثقة، والمساعدة القضائية المتبادلة، وتوحيد المعايير ، والحوار البناء، بما يعزز السيادة ولا يضعفها، ويجعل كل نظام قضائي أكثر قدرة على حماية مجتمعه وصون استقراره بموجب اتفاقيات دولية تضمن احترام الخصوصيات التشريعية والاجرائية والاجتماعية لكل دولة".

ثم ألقى الوزير نصار كلمة جاء فيها: "نجتمع اليوم في لحظة يستعيد فيها لبنان موقعه بين الأمم. ويأتي هذا المؤتمر في سياق المسار الذي انطلق بتوقيع اتفاق التعاون مع يوروجست والاتحاد الأوروبي، وهو يواكب الخطوات المتعددة التي اتخذتها الجمهورية اللبنانية لاستعادة جميع مقوماتها كدولة قانون ومؤسسات. مما لا شكّ فيه أن هذا المسار ينطوي على محطة أساسية لا غنى عنها، وهي تتمثل في إعادة حصرية استعمال القوة إلى السلطات العامة. إنها مسألة جوهرية، إذ من دونها تبقى صلاحيات الدولة مقيّدة بقوى فئوية ذات أهداف طائفية. إن مسار استعادة الدولة قد انطلق، ولن يتوقف، ولا يجوز له أن يتوقف. غير أنّ العدالة تبقى الركيزة الحاسمة في هذا البناء. وقد أصاب إميل زولا حين قال: «إن الحقيقة والعدالة سيّدتان، لأنهما وحدهما تضمنان عظمة الأمم». ومن هنا، فإن تمكين السلطة القضائية، وصونها من أي تدخلات خارجية، هو الشرط الحتمي لقيام العدالة. إنه شرط حتمي أولًا لأن استقلال القضاء هو المدخل الطبيعي لتحقيق العدالة. وهو شرط حتمي ثانيًا لأن العدالة هي الجسر الذي تُبنى عليه الثقة بين المواطن والدولة. وهو شرط حتمي أخيرًا لأن قيام دولة القانون أمام الشعب وأمام العالم لا يتحقق إلا بقضاء مستقل فاعل".

اضاف:"لقد أدركت البشرية، بعد أن بلغت أهوال الحرب العالمية الثانية وحشية غير مسبوقة، ضرورة العمل على جعل هذا العالم أكثر إنسانية. وتسارع هذا المسار مع نهاية الحرب الباردة؛ فأُنشئت منظمات دولية، وتوسّعت أخرى، وتعزّزت التكتلات الإقليمية، وتنامت أواصر التعاون الدولي، وأضحى الدفاع عن البيئة قضية مشتركة. وفي هذا الإطار، شكّل الاتحاد الأوروبي نموذجًا للتقدم الإنساني والسعي إلى السلام. وساد اعتقاد بأن لغة السلاح أصبحت من مخلفات الماضي، وأن مسيرة الأرض باتت محكومة بإرادة التقدم. غير أنّنا نكتشف اليوم أن تلك النشوة لم تكن تعبيرًا عن تطور راسخ. فالتطرف، ومنطق القوة، وتغليب المصالح الضيقة، تشكّل عناصر تستطيع، في لحظة واحدة، إيقاف ما ظننّاه مسارًا حتميًا نحو مستقبل أفضل. وكانت الصدمة قاسية. لقد عاش لبنان عقودًا طويلة في دوّامة الصراعات. وكان العالم ينظر أحيانًا بلا اكتراث إلى ما اعتبره مأساة بعيدة عنه، فإذا به يكتشف أن لا أحد بمنأى عن الجنون والجريمة. قد تظلّ الفظائع محفورة في ذاكرة أجيال قليلة، غير أن الانزلاق بعيدًا عن صفحات تاريخنا الأكثر ظلمةً يهدد، للأسف، بإبعادنا أيضًا عن ترسيخ حكم القانون الدولي، لنجد أنفسنا، كالسائرين نيامًا، في قبضة عنف أعمى. ويبدو، للأسف، أن منطق القوة والرعب يحاول إعادة كتابة التاريخ. يمكننا أن نستسلم وننحني أمام الأيديولوجيات الهدامة. يمكننا أن نبرّر الانحرافات، وأن نختلق الأعذار حين تُداس سيادة الحدود تحت جنازير الدبابات. ويمكننا أن نتذرع بواقعية سياسية مشوهة لتغطيةجبننا. لكن يمكننا، على العكس من ذلك أن نُمكّن النساء والرجال ذوي الإرادة الصالحة من إعادة تصويب المسار. ويمكننا أن نبني سلسلة من التضامن، تساهم فيها كلُّ حلقة في استبدال القوّة بالعدالة. في لبنان، اخترنا أن نقول «لا» حين ظنّ العالم، بدافع من السخرية أو اللامبالاة، أننا بلا وزن يُذكر. لقد قاومنا الاحتلالات أيًّا كان مصدرها، وأكّدنا أن العيش المشترك والتفاعل بين المكوّنات المجتمعية هو أفضل ردّ على التعصّب والإقصاء. ويمكننا، مع الاتحاد الأوروبي، أن نعلن أننا متّحدون في تنوّعنا. ومن خلال إبرام اتفاق يوروجست، نواصل على الصعيد الدولي سعينا إلى ترسيخ قانون يحترم المبادئ الأساسية. ويتعيّن علينا جميعًا إعطاء الأولوية للتضامن في مواجهة الجريمة. وقد قرّرنا تزويد نظامنا بالأدوات اللازمة للتصدّي لعولمة الجريمة. ونريد أن نكون حلقة فاعلة في سلسلة سيادة القانون. ويفتح الاتفاق، لا سيما في مادته السابعة، الباب أمام تعاون فعلي يتجاوز تبادل المعلومات، إذ تنص هذه المادة على ما  يلي:

"فرق التحقيق المشتركة :

1- يمكن ليوروجست أن تساعد لبنان في إنشاء فرق تحقيق مشتركة مع السلطات الوطنية في إحدى الدول الأعضاء، وفقًا للأساس القانوني الذي يجيز التعاون القضائي في المسائل الجزائية، كاتفاقات المساعدة القانونية المتبادلة.

2- يمكن ليوروجست أن تقدم دعمًا ماليًا أو تقنيًا لتشغيل فرق التحقيق المشتركة التي تساندها على المستوى التشغيلي".

تابع:"من خلال تشكيل هذه الفرق المشتركة، سنتمكن من مواجهة ملفات معقدة تتجاوز حدودنا الوطنية.وبالتالي، فإن تشكيل فرق تحقيق مشتركة، وبدعم من يوروجست، هو ما سيمكّننا من مواجهة بعض الملفات المعقّدة. وقد تعزّز ذراع القضاء، ويقع على عاتقنا دعمه. إن اتفاق يوروجست تشكّل، في جوهرها، مسارًا يجمع بين طاقتين متلازمتين: التعاون في مكافحة الجريمة، واحترام المبادئ الأساسية، ولا سيّما حماية البيانات الشخصية. فمكافحة الجريمة لا تبرّر استخدام أي وسيلة كانت. وأسمح لنفسي هنا أن أستشهد، كما أفعل غالبًا، بألبير كامو: «إذا عجز الإنسان عن التوفيق بين العدالة والحرية، فإنه يفشل في كل شيء».

ختم:"أشكر لكم حضوركم، وأؤكد معكم انطلاق صفحة جديدة يفتحها لبنان اليوم في مسيرة التعاون الدولي لمكافحة الجريمة، وترسيخ العدالة، وصون دولة القانون".

بدوره قال مرتينوس : "لقد تغيرت ملامح الجريمة. لذا، من الضروري للغاية أن يُغير النظام القضائي استراتيجيته. تُولد الجريمة الخطر، وتتجاوز الحدود، وتستغل نقاط الضعف القانونية والتكنولوجية والمؤسسية. وفي الوقت نفسه، غالبًا ما يبقى النظام القضائي معزولًا ضمن أطر وطنية ضيقة. في الواقع، للجريمة العابرة للحدود تأثير مُعدٍ يُذيب الجريمة نفسها، مُقوضًا السياسة والنظام القضائي... فضلًا عن الاقتصاد، الذي يُشكل أساس الوظائف الديمقراطية. يرى المجلس الدولي لمراقبة المخدرات أن التقارير التي تفيد بأن "جماعات الاتجار بالبشر وأفرادًا آخرين ممن يملكون موارد مالية يمارسون نفوذًا كبيرًا على السياسة الداخلية والنظام القضائي والإعلام، إلخ،" تُثير إشكالية. "القوانين ملك للدول، وهذا يشمل شراء الرأي العام. النتيجة: ستحل الجريمة محل أهم جانب من جوانب العدالة، وسيزداد الإفلات من العقاب انتشارًا. لماذا؟ لأن الجريمة مختلفة، ووقت الاستجابة لا يزال محدودًا؛ العدوى عالمية، والعقاب محلي؛ والجريمة مرتبطة بالسيطرة على الأمن القومي، وبالنظام القضائي الذي حال دون قيام نظام السجون بوظيفته".

اضاف:"هذه هي الملاحظة التي نواجهها جميعًا اليوم، لأنه من السهل فعل أي شيء في هذا الوضع الحديث عن العدالة بلا حدود لا يعني عودة المحاكم. بل على العكس، نُقرّ بأن السوق الحديثة لا تحمي معظم الناس من العزلة؛ فهي مدفوعة بالتعاون، ومُهيكلة بالتنسيق، ومُستدامة بالثقة بين العاملين في النظام القضائي. أمام هذا الواقع، لم يعد التعامل مع جميع القضايا الجنائية وطنيًا، بل عابرًا للحدود؛ فالفرد أهم من جميع الآخرين. في فضاء عالمي، تتشتت الأرباح المُستمدة من المجرمين؛ والتعاون يُعزز العدالة. نحن هنا؛ إنه دور محوري يضمن احترام مخاطر الدفاع. لأن العدالة الفعّالة ضد الجرائم العابرة للحدود يجب أن تظل عدالة كفؤة، تحترم الحريات الأساسية، والإجراءات العادلة، والكرامة الإنسانية. لا يُشترط استخدام التعاون الدولي لتقديم ضمانات مطلقة. من الضروري مواجهة المُنسّق الأعلى، لأنه عندما يتعلق الأمر بالتناغم، تتناغم الأنظمة المختلفة. أؤمن بالعدالة، ولكن عند تطبيقها على أرض الواقع، لا تجد لها مكانًا، فهي لا تُحترم. أريد أن أعرف ما يدور في أذهان شعبنا: الركائز الأساسية في الأنظمة القانونية والثقافات القضائية. تقع هذه الركائز ضمن اختصاص السلطة التنفيذية والسعي لتحقيق العدالة".

تابع:"لذا، فلنفترض الآتي:

• حوار مؤسسي مستمر بين مهنة المحاماة والنيابة العامة؛

• تفعيل التنسيق الإداري الدولي، الثنائي أو المتعدد الأطراف، بما يتناسب مع التطور التلقائي للمعلومات وتأثيرها على إزالة المناطق غير المصرح بها. ترحب شركة جنيف بتنفيذ التوجيهات اللازمة للنقل، ونقاط الدخول، واللجان التنظيمية، وتقارير الاستثمار، دون أي تدخل سياسي أو دبلوماسي

• دون إنشاء محمية دولية، يُرجى مراقبة التعاون القضائي الدولي عن كثب لمواجهة التحديات الأكثر إلحاحًا: حماية الشبكات الداخلية ومكافحة الجريمة المنظمة بفعالية أكبر عند المعابر الحدودية"

ختم:"لا يتطلب التصدي لعولمة الجريمة توحيد الإجراءات، بل التنسيق بينها مع احترام الهوية القانونية والمبادئ الليبرالية. فالعدالة لا تضرّ من يتحمل المسؤولية القانونية".

كانت كلمة للقاضية ميرنا كلاس التي شددت على ان "التعاون الدولي أصبح ضرورة لا بد منها للتصدي لخطر الجرائم العالمية وعلى لبنان العمل على اعتماد أسس متينة للتعاون الدولي بهدف تقوية فعالية تطبيق المعايير الفنية وتوصيات مجموعة العمل المالي، للخروج من اللائحة الرمادية، ومقاربة المعايير الدولية التي تهدف الى مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وبفضل الجهود المبذولة يقترب لبنان من انجاز هذه المرحلة المتعلقة بالتعاون القضائي الدولي بنجاح. وأقصد بالتعاون القضائي الدولي طلبات المساعدة القضائية المتبادلة، وطلبات استرداد المجرمين المرسلة من والى لبنان بالطرق الديبلوماسية وجميعها تمر عبر وزارة العدل ووزارة الخارجية والمغتربين والنيابة العامة التمييزية هي الجهة المختصة قضائياً لاعداد هذه الطلبات، بهدف إرسالها الى الخارج، كما تختص في تنفيذ تلك الواردة اليها من مختلف الدول. وتشرف ايضاً على أعمال الضابطة العدلية في ما يتعلق بالتعاون مع منظمة الانتربول. وتشارك في عدد من القنوات التي تسهل التعاون القضائي التمهيدي غير الرسمي. تطور العمل في النيابة العامة التمييزية كيف ساهم تأسيس مكتب التعاون الدولي في مأسسة العمل بغياب أي فرع خاص عن المساعدة القانونية في القانون، إبداع النيابة العامة والتدريبية على تأسيس نظام عمل حديث في مجال التعاون بدأها في المعاهدات الدولية في القوانين اللبنانية المتفرقة، وأرست مبادئ نصية عامة نصا على التعاون الدولي الناجح من النرويج أن يعكس صورة انفتاح على الدولة الدولية بشكل عام، دون المساس بمدأ السيادة الوطنية".

وكانت كلمة لرئيس منظمة اوروجست ميشال شميد شكر فيها روح التعاون بيننا التي تتخطى حدود الوطن.

ثم تناول بإسهاب دور الجريمةًالمنظمة والارهاب الذي تتطور دورها بشكل كبير سواء عبر العولمة والإنترنت التي سهلت عمل المجرمين والارهابيين داعيا الى تعزيز التعاون بشكل وثيق لمكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب وتبييض الأموال وجرائم المخدرات.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: