كتب أندريه مهاوج في صحيفة "نداء الوطن":
بدا المشهد في مجلس الأمن الدولي وكأنه امتحان ديبلوماسيّ لفرنسا، الدولة الحاملة ملف "اليونيفيل" منذ العام 2006. فبينما كانت باريس تسعى إلى تجديد تقليدي لولاية القوات الدولية العاملة في جنوب لبنان، أرست الولايات المتحدة الأميركية، بدفع إسرائيلي، مشهدًا مغايرًا يعيد الجنوب إلى دائرة المواجهة المباشرة: "تمديد أخير" حتى نهاية العام 2026، يعقبه انسحاب منظم خلال العام 2027.
وبين هذين الاحتمالين، ستبقى باريس تحاول لعب دور "المُهدِّئ" بين واشنطن وتل أبيب من جهة و"حزب الله" من جهة أخرى في جنوب لبنان.
ما أرادته فرنسا
الديبلوماسية الفرنسية كانت تطمح إلى تمديد مفتوح على غرار السنوات السابقة، معتبرة أن أي انسحاب غير مدروس سيترك فراغًا أمنيًا خطيرًا في الجنوب، حيث لا يزال "حزب الله" يتمتع بحضور عسكري وازن. باريس كانت حريصة على تأكيد دورها كضامن للاستقرار في لبنان، خاصة مع وجود نحو 700 جندي فرنسي ضمن القوة الدولية، ورغبت في الحفاظ على مساحة للمناورة إذا فرضت الظروف لاحقًا تمديدًا جديدًا.
واشنطن و"الفرصة الأخيرة"
غير أنّ الموقف الأميركي هذه المرة كان أكثر صرامة. فقد اعتبرت واشنطن أن "اليونيفيل" استنفدت دورها، وأعلنت صراحة أن التمديد الجديد سيكون "الأخير". وسعت إلى طمأنة إسرائيل التي تكرّر أن "اليونيفيل" لم تمنع "حزب الله" من تعزيز مواقعه، لكنها في المقابل لم تذهب إلى حد المجازفة بحصول انهيار فوري للوضع الميداني. ومن هنا جاء القبول بصيغة وسطية: بقاء القوات حتى نهاية 2026، ثم انسحاب تدريجي.
إسرائيل: انتصار بالنقاط
بالنسبة إلى إسرائيل، لم يكن التمديد خبرًا سارًا، لكنها حصدت ما تعتبره "ساعة رملية" لنهاية البعثة، أي بدء العد العكسي. فالموقف الأميركي القريب منها جعل الصياغة النهائية تعكس روايتها: "اليونيفيل" لم توقف نشاطات "حزب الله"، والمطلوب التحضير لمرحلة جديدة يكون فيها الجيش اللبناني في الواجهة وحده.
لبنان و"حزب الله" بين الترحيب والرصيد السياسي
الحكومة اللبنانية، برئاسة نواف سلام، رحّبت بالتمديد واعتبرته فرصة لتثبيت سلطة الدولة، مطالبة في الوقت نفسه بانسحاب إسرائيلي من خمس مواقع شمال الخط الأزرق. أما "حزب الله"، فسيقرأ القرار بصفته انتصارًا مؤجلًا: فالمغادرة المقررة للقوات الدولية ستُقدَّم داخليًاً كدليل على فشل المجتمع الدولي في كبح "الحزب"، حتى لو حاول في الوقت نفسه ضبط المواجهة لتجنّب حرب شاملة مع إسرائيل.
باريس: نصف نجاح ونصف خسارة
النتيجة النهائية تعكس براغماتية فرنسية. باريس أنقذت بقاء "اليونيفيل" لعام إضافي، ما يمنع انهيارًا فوريًا للوضع الأمني، لكنها اضطرت للقبول بسقف زمني واضح، الأمر الذي يقيّد حركتها مستقبلًا. بكلام آخر، فرنسا ربحت الوقت لكنها خسرت معركة الصياغة السياسية أمام واشنطن.
هكذا تبدو المرحلة المقبلة كأنها مليئة بالاستحقاقات الحاسمة: إما أن ينجح الجيش اللبناني في تعزيز حضوره بدعم دولي واسع، وإما أن يتحول انسحاب "اليونيفيل" في 2027 إلى فراغ أمني خطير يعيد الجنوب إلى دائرة المواجهة المباشرة. وبين هذين الاحتمالين، ستبقى باريس تحاول لعب دور "المُهدِّئ" بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وبيروت من جهة أخرى، في معركة لن تكون سهلة على الإطلاق.