أشار البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي إلى أن "اختيار البابا لاوون الرابع عشر لبنان لإتمام أول زيارة رسولية هو علامة تمسّكه وتمسّك الكنيسة الجامعة من خلاله بلبنان الوطن الرسالة. مشددا على أن لبنان أرض لقاء الأديان والثقافات والحوار الصادق من أجل تحصين شراكة اسلامية مسيحية تبقى إحدى علامات رسالة لبنان وملازمة لهويته".
كلام الراعي جاء خلال عظة الأحد في بكركي حيث قال: "إنّ اللقاءات التي ستشهدها زيارة قداسته مع رؤساء الطوائف كافة تعكس أمانته للصيغة اللبنانية، وتمثّل دعوة صريحة إلى جميع اللبنانيين ليكملوا معًا مسيرتهم الحضارية في ظل دولة عادلة قادرة قوية تبعد لبنان عن كل محاور الصراعات الإقليمية والدولية، وتحفظه محايدًا نموذجًا حضاريًا للعالم أجمع، الذي يهدده صراع الحضارات".
أضاف: " لبنان الذي يتطلع الحبر الأعظم إليه هو لبنان الوحدة والتضامن بين جميع أبنائه مسلمين ومسيحيين تسودهم المساواة في الحقوق والواجبات، يتطلع كل منهم بدوره لتكامل أدوارهم في إطار العائلة اللبنانية الواحدة."
وتابع:" إن مريم، التي تلقّت بشارة الملاك بحمل المخلّص، لم تحتفظ بسرّها في صمت منعزل، ولم تكتفِ بفرح داخلي خاص، بل نهضت مسرعة إلى بيت نسيبتها أليصابات، لتكون حاضرة إلى جانبها، مشاركةً إياها انتظارها، ومساندةً لها في ضعفها الجسدي، وحاملةً إليها فرح السماء وسلامها.
هذه الزيارة لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل عبور من الذات إلى الآخر، ومن الاكتفاء إلى العطاء. إنها زيارة تتولّد منها الخدمة، والخدمة هي ثمرة طبيعية للإيمان. لقد بقيت مريم ثلاثة أشهر، لا كضيفة عابرة، بل كخادمة صامتة، تسهر، تعتني، تواسي، وتشارك أليصابات تعبها وفرحها حتى لحظة الولادة.
وهكذا تعلّمنا العذراء أن الخدمة ليست ضعفاً، بل قمّة العطاء، وأن من يحمل المسيح في قلبه لا يستطيع إلا أن يتحوّل إلى يد تمتد، وصوت يطمئن، وحضور يخفف ثقل الطريق عن الآخر. فالزيارة تصبح فعل محبة، والخدمة تصبح تعبيراً صادقاً عن الإيمان العامل بالمحبة."
وأردف: " الزيارة في الإنجيل هي مبادرة، ولبنان اليوم بحاجة إلى رجال ونساء يملكون جرأة المبادرة، للخروج من حالة الجمود والانقسام، نحو لغة الخدمة والعمل الصادق، حيث يصبح الوطن أولوية لا شعاراً، ورسالة لا ساحة صراع.
مريم لم تسأل عن الظروف، ولم تحسب المسافة، ولم تتهرّب من التعب، بل حملت في قلبها مسؤولية الآخر. وهكذا يُدعى اللبناني اليوم إلى أن يحمل وطنه بهذا العمق، لا كعبء، بل كرسالة، لا كملكية خاصة، بل كوديعة مقدسة.
لبنان الذي جُبل بتنوعه، يحتاج اليوم إلى أن يستعيد روح اللقاء، كما التقت مريم بأليصابات، لقاء يثمر فرحاً، لا يأجّج الانقسام. فالوطن لا يُبنى بالخطابات، بل بخدمة تشبه خدمة العذراء، صامتة، صادقة، وملؤها الإيمان".
وختم قائلا: " لبنان بحاجة اليوم إلى روح الإنجيل في السياسة، وإلى روح الخدمة في القيادة، إلى لقاء يسبق الحكم، وإلى محبة تسبق المصلحة. تماماً كما التقت امرأتان في تواضع الإيمان، يمكن أن يلتقي اللبنانيون حول مشروع حياة لا موت، رجاء لا يأس، وطن لا ساحة نزاع".