لم تنهِ الأزمة اليمنية فصولها بعد، فمنذ اندلاع الحرب في هذا البلد العربي الشقيق، تتبلور وتتطور تقلبات الأحداث وتغيرات الحسابات الجيوسياسية والاقتصادية والاستراتيجية بشكل مطرد، انطلاقاً من موقعه الاستراتيجي وخصائصه ومميزاته السياسية والتجارية.
فمن يتابع الملف اليمني منذ بداياته يلاحظ الكم الكبير من التشابكات والتعقيدات الداخلية والخارجية، آخرها الموقف السعودي اللافت الذي رفض رفضاً مطلقاً انفصال جنوب اليمن عن شماله، لما في ذلك من خطر كبير على ما تعتبره الرياض أمنها القومي.
فالرياض بطبيعة الحال ليست ضد قيام يمن مزدهر ومستقر على حدود المملكة الجنوبية، لكنها ترفض وجود مصدر تهديد لأمنها القومي انطلاقاً من الجنوب اليمني.
من هنا، فإن المملكة ليست ولا تريد أن تكون في صراع مع القضية الجنوبية ولا مع المجتمع الجنوبي، وهذا ما يعكسه الموقف الرسمي السعودي والسلوك السعودي تجاه القضية اليمنية منذ بداية الصراع في هذا البلد.
لكن الرياض في المقابل لا تقبل بوجود كيان سياسي - عسكري هو المجلس الانتقالي الجنوبي، كون هذا المجلس متأثراً بالنفوذ الخارجي الذي يصل إلى إسرائيل.
فالرياض لا تتدخل في الشأن الداخلي اليمني فيما يخص التعقيدات الداخلية مثل الهوية أو الحكم الذاتي، لكنها لا يمكنها السكوت عندما يتحول الصراع الداخلي إلى خطر قومي على محيط اليمن الخارجي، خصوصاً في ظل الصراع الدولي والإقليمي المحتدم على النفوذ والممرات والحدود.
الرياض تميز بين المسألة الجنوبية والمجلس الانتقالي، الذي لا تريده "حزب الله" يمني جديد في خاصرتها. فالرياض تدعم حق كل الجنوبيين في تقرير مصيرهم ضمن صيغة يمنية سياسية شاملة، من دون أن يعني ذلك تساهلها مع محاولات المجلس الانتقالي تحويل الجنوب اليمني إلى مصدر تهديد للأمن القومي السعودي في خدمة أجندات خارجية تعاكس مصالح السعودية العليا ومصالح اليمن واستقراره، منعاً للوصول إلى حرب الكل على الكل في اليمن وجنوبه تحديداً.
انطلاقًا من ذلك، تعتبر الرياض محافظة حضرموت عمقاً استراتيجياً جنوبياً للمملكة، كون تلك المحافظة على تماس حدودي بري معها لأكثر من 600 كيلومتر من الأرض الصحراوية، وتعتبرها الرياض منطقة عازلة جيوسياسياً وأمنياً، تقي المملكة الاضطرابات اليمنية الداخلية. ومن هنا رفضت الرياض وجود كيان سياسي - عسكري يمس بأمنها القومي في تلك المحافظة من خلال تهريب السلاح وتسلل الإرهابيين والمخدرات وتحولها إلى مصدر تهديد مباشر للمملكة.
يضاف إلى هذا البعد الأمني القومي للسعودية البعد الاقتصادي، إذ أن محافظة حضرموت غنية بالثروات النفطية من حقول وشركات تنقيب وتكرير وموانئ حيوية مطلة على بحر العرب، ما يجعل من محافظة حضرموت موقعاً استراتيجياً للتصدير يخفف من اختناقات مضيق هرمز والأخطار العسكرية المحدقة به في ظل تصاعد التوترات والتحديات العسكرية الإيرانية وغير الإيرانية، فيما يؤدي ذلك إلى تهديد ممرات الطاقة.
لذا، فإن المشكلة لدى السعوديين ليست في انفصال الجنوب اليمني عن الشمال أو عن بعضه جنوبًا، بل المشكلة تكمن في دور الدولة الحنوبية العتيدة إذا ما أقيمت، وطبيعة مهامها كدولة ستكون مرتهنة أمنياً وعسكرياً لمحور إقليمي أكبر في طليعته إسرائيل، من خلال شبكة مصالح بحرية وتجارية تترأسها موانئ دبي والفجيرة، وتتقاطع موضوعياً مع مشاريع موانئ حيفا وبيرايوس ضمن مسار (IMEC)، ما يفتح الباب أمام حضور استخباراتي وتقني إسرائيلي.
فالرياض ترفض تحول الجنوب اليمني إلى أداة ضغط سياسي واستراتيجي عليها عبر الحزام البحري والأمني والاقتصادي المحيط بها من باب المندب إلى بحر العرب. فلا مجال سعودي لقيام قاعدة عسكرية إسرائيلية ضاغطة على حدودها، في ظل وجود تعاون أمني واستخباراتي، ومنظومات مراقبة بحرية متطورة، أو انضمام الجنوب إلى منظومة إقليمية عدوانية تُدار خارج إرادة الرياض وموجهة ضد مصالحها الحيوية، خاصة في ظل التحولات العالمية والإقليمية الجارية حول الممرات الاقتصادية وصراعاتها المعلنة بين ممر الهند - الشرق الأوسط - أوروبا ومبادرة الحزام والطريق الصينية، بما يجعل الصراع الإقليمي والدولي ممتداً من السودان إلى اليمن والصومال، ولا ينتهي عند تخوم شرق إفريقيا.
الرياض تدرك تماماً مصالح دولة الإمارات الشقيقة المتقاطعة مع إسرائيل واليونان وقبرص في إعادة رسم مسارات التجارة العالمية، لتقليل أدوار الموانئ التقليدية مثل موانئ الحديدة وجدة وقناة السويس وعدن، لصالح موانئ جديدة وبديلة تمر عبر دبي والفجيرة وحيفا وبيرايوس، ما يجعل السيطرة على جنوب اليمن مدماكاً أساسياً ومركزياً في إعادة رسم خريطة التجارة والنفوذ البحري والتجاري العالمي والإقليمي.
فالسيطرة على موانئ الجنوب اليمني تعني التحكم في أحد أهم معابر التجارة العالمية، ما سيؤثر حتماً على تدفقات الطاقة والسلع بين آسيا وإفريقيا وأوروبا.
من هنا، تدرك الرياض أن خسارة حضرموت والموانئ الجنوبية لصالح محور إماراتي - إسرائيلي لا تعني فقط خسارة نفوذ سياسي، بل أيضاً خسارة نفوذ اقتصادي وتجاري حيوي وأساسي للمملكة.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم التالي:
- قيام المملكة أخيراً بتنفيذ ضربة جوية لميناء المكلا كانت رسالة سعودية واضحة، من خلال عدم استهداف السفن أو الشحنة إلا بعدما أفرغت للمجلس الانتقالي أولاً، لإفهامه بقدرة الرياض في أي وقت على الضرب في أي مكان ومتى شاءت.
- إفهام دولة الإمارات أن الرياض تدرك خطورة الوضع في حضرموت بدقة، وكانت حريصة على عدم الانجرار إلى مواجهة مباشرة.
- تصرف المملكة عسكرياً كان أيضاً الغرض منه إفهام المجتمع الدولي أنها تستهدف مجموعات مسلحة خارجة عن سيادة الدولة والشرعية.
أبوظبي تلقت رسالة الشقيقة الكبرى وسحبت قواتها العسكرية من كامل الجنوب، لإفساح المجال لها لإعادة تموضعها السياسي والاقتصادي من دون استفزاز الرياض، رغم احتفاظها بنفوذ سياسي كبير في حضرموت.
هكذا، فإن الوضع اليمني على مفترق خطير نظراً لتضارب المصالح الحيوية حتى بين الأشقاء والحلفاء ضد الحوثي، الذي يقف متفرجاً مستفيداً من عقدة حضرموت، والتي خلخلت العلاقات بين خصومه، والتي قد يستخدمها للعب على التناقضات المستجدة لتعزيز وجوده، إما عبر الورقة السعودية أو الإماراتية بما يخدم مصالحه.
لكن المؤكد أن الرياض جادة حتى النهاية في منع قيام منطقة فوضى دائمة في جنوب اليمن يصعب السيطرة عليها، وتحويلها إلى ما يسمى "كيان وظيفي" لأجندات إقليمية ودولية معادية للسعودية.
والمؤكد أيضاً أن دولة الإمارات تنظر إلى الجنوب اليمني كوسيلة أساسية للوصول إلى الممرات البحرية الممتدة من باب المندب إلى بحر العرب، مع ما يعنيه ذلك لها من استخدامات لوجستية وتجارية عالمية.
فأبوظبي تسعى لتبوؤ الريادة في السيطرة على موانئ عدن والمكلا وسقطرى، لبسط سيطرتها على ممرات التجارة البحرية، بما يعزز دورها كمركز ثقل اقتصادي في المنطقة.
ويبقى السؤال الكبير: من سيكون حليف جنوب اليمن حال انفصاله؟ بالتأكيد لن يكون السعودية، وهنا مكمن المأزق وخطورة الملف… يبدأ من حضرموت