"هذا القانون لا ينقذ الودائع".. رازي الحاج لـLebTalks: "الفجوة المالية" يفتقد للأرقام

Untitled-1

في بلدٍ تتآكل فيه الودائع، وتتراجع فيه الثقة بالقطاع المصرفي إلى أدنى مستوياتها، يطفو "قانون الفجوة المالية" بعد إحالته من مجلس الوزراء الى مجلس النواب على سطح النقاش السياسي والاقتصادي في لبنان، بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية وإثارة للجدل.

فهذا القانون، الذي يُفترض أن يحدّد كيفية توزيع الخسائر المتراكمة منذ الانهيار المالي، لا يُناقَش بالأرقام فقط، بل يمسّ مباشرة حقوق المودعين، ودور الدولة، ومسؤولية المصارف، ومستقبل النظام المالي برمّته.

وبين من يراه مدخلًا ضروريًا لإعادة الانتظام المالي، ومن يعتبره تشريعًا للخسائر على حساب المواطنين.

في السياق، أشار عضو تكتل "الجمهورية القوية" النائب رازي الحاج، في حديث خاص لموقع LebTalks، إلى أنّه في 24 نيسان 2024 أقرّ مجلس النواب قانون رفع السرية المصرفية عن كل الحسابات، بما يشمل حسابات المودعين كافة، ومن ضمنهم السياسيون، المديرون العامون، أصحاب المصارف، وكل شخص يملك حسابًا مصرفيًا، وذلك أمام الهيئات القضائية، وكل ما يتعلّق بالقضاء، إضافة إلى الهيئات الرقابية كافة داخل مصرف لبنان، وسائر الهيئات الأخرى، ومنها هيئة مكافحة الفساد والمدّعي العام المالي.

وأوضح الحاج أنّه لا توجد أي معوّقات أمام تحرّك الهيئات القضائية والرقابية لمعرفة من هو المرتكب، ومن يملك حسابات وهمية، ومن تاجر بالشيكات، ومن استفاد من الهندسات المالية.

وأشار إلى أنّ هذا القانون يعاني من خمس مشكلات أساسية، أوّلها أنّه غير مبني على أرقام واضحة، ولا يحدّد حجم الفجوة المالية الفعلي. واعتبر أنّ نحو 15% من هذه الفجوة تعود إلى حسابات غير نظامية مرتبطة بتبييض الأموال والفساد والفوائد المرتفعة، والتي يُفترض شطبها، إلا أنّ القانون لم يحدّد هذا المعيار بشكل واضح، ولم يحدّد المسؤوليات، أي مسؤولية المصارف، ومسؤولية الدولة، ومسؤولية السياسات النقدية لمصرف لبنان.

ولفت إلى أنّ أموال المودعين ضاعت بطريقتين أساسيتين: الأولى عبر السياسة النقدية ودعم سعر الصرف، ما أدّى إلى تمويل الاستيراد لسنوات طويلة، والثانية عبر السياسة المالية التي موّلت العجز من خلال الدين العام المتنامي نتيجة عجز الدولة. وعند حصول الانهيار، كان هناك نحو 34 مليار دولار من الاحتياطي الإلزامي تمّ استبدالها مباشرة من خلال سياسة الدعم.

وفي ما يتعلّق بتحمّل الدولة مسؤوليتها، أوضح الحاج أنّ هناك مسؤولية واضحة ومثبتة بالأرقام، تتمثّل بـ16.5 مليار دولار إضافة إلى 8 مليارات دولار، أي ما يقارب 24.5 إلى 25 مليار دولار. وأشار إلى أنّه منذ عام 2016 كانت الدولة تطلب من مصرف لبنان تسديد فواتير عائدة لها بالعملة الأجنبية، وهذه المبالغ مثبتة كدين على الدولة، إلا أنّها ترفض الاعتراف بها بسبب شروط صندوق النقد الدولي، الذي يشترط ألّا يتجاوز الدين العام نسبة 100% من الناتج المحلي الإجمالي.

وأوضح أنّه إذا كان الناتج المحلي اليوم نحو 30 مليار دولار، فيجب أن يكون دين الدولة أقل من هذا الرقم، أي بحدود 27 مليار دولار، وبالتالي فإنّ تحميل الدولة كامل مسؤوليتها سيؤدّي إلى تعثّرها في دفع سندات "اليوروبوند"، لا سيّما أنّ معظم حاملي هذه السندات مؤسسات عالمية فاعلة في القرار السياسي الخارجي، تمارس ضغوطًا بهذا الاتجاه، إضافة إلى وجود مستثمرين مستفيدين من هذا الواقع، ومن بينهم بعض النواب في المجلس النيابي.

وشدّد الحاج على أنّهم يرفضون إعفاء المصارف من مسؤولياتها، مؤكدًا أنّ القانون يجب أن يحدّد بوضوح حجم الفجوة وكيفية توزيعها بين ثلاثة أطراف أساسية: مصرف لبنان، والمصارف، والدولة، بحيث يتحمّل كل طرف مسؤوليته الفعلية، مضيفاً أنّه لا يمكن تحميل الدولة كامل المسؤولية، لكن لا يجوز أيضًا إعفاؤها منها بالكامل.

وأشار إلى أنّ اعتراف الدولة بالمبالغ المثبتة حتى اليوم، والتي تبلغ 16.5 مليار دولار و8 مليار دولار، من شأنه أن يساعد في ردّ أموال الودائع التي تفوق 100 ألف دولار، العائدة لنقابات المهن الحرة كالمهندسين والأطباء والمحامين، وصناديق التعاضد، وصناديق التقاعد، وصناديق المدارس الخاصة، والمتقاعدين العسكريين، وموظفي القطاع العام، ومتقاعدي المدارس، والضمان الاجتماعي، معتبرًا أنّ هذه الودائع لا تتعلّق بأفراد فحسب، بل بشبكة الأمان الاجتماعي، وأنّ المساس بها يُشكّل إساءة للمجتمع بأكمله ولمئات آلاف المتقاعدين الذين لم يعودوا قادرين على أن يكونوا منتجين أو أن يحقّقوا مداخيل إضافية.

وفي نقطة ثالثة، انتقد الحاج تركيز المشروع على الحلقة الأخيرة من الارتكابات، لافتًا إلى أنّه يفرض على من حوّل أمواله إلى الخارج دفع 30%، في حين أنّ التحويل لم يكن مخالفًا للقانون في حينه، بسبب غياب أي تشريع يمنعه، رغم أنّ بعض التحويلات حصلت بشكل استنسابي في وقت كانت فيه المصارف مقفلة. واعتبر أنّ هذا الإجراء يكافئ من حوّل أمواله بإعادتها بنسبة 70% نقدًا، فيما يُعاقَب من لم يتمكّن من التحويل عبر إعطائه 100 ألف دولار على أربع سنوات، والباقي عبر آليات غير واضحة.

وأوضح أنّ السماح بسحب هذه المبالغ بشكل شهري سيؤدّي إلى ضخّ نحو 16 مليار دولار في السوق خلال أربع سنوات، ستُصرف بمعظمها على الاستهلاك لا الاستثمار، ما سيؤدّي إلى تضخّم إضافي خلال تلك الفترة.

وتطرّق إلى الحديث عن أصول مصرف لبنان، التي تُقدّر بنحو 50 مليار دولار، منها 40 مليار دولار من الذهب، متسائلًا عن كيفية التوفيق بين تسييل جزء من الذهب وبين النصوص التي تمنع المساس به، وعن قدرة المصرف المركزي على تحقيق إيرادات تفوق 50 مليار دولار خلال عشر سنوات، مع الاكتفاء بإعادة 2% سنويًا من الودائع.

وختم الحاج بالتأكيد أنّ الأزمة لم تبدأ عام 2019، بل منذ عام 2011، داعيًا إلى المحاسبة انطلاقًا من ذلك التاريخ، معتبرًا أنّ المشكلة ليست في من حوّل أمواله إلى الخارج، بل في الهندسات المالية وتمويل العجز وميزان المدفوعات، وكل السرقات التي حصلت في لبنان. واعتبر أنّ هذا القانون يهدف إلى إرضاء شريحة من المودعين الذين تقلّ ودائعهم عن 100 ألف دولار، تمهيدًا للتفاوض مع صندوق النقد الدولي، في حين أنّ العلاج الحقيقي يبدأ بالمحاسبة وتحميل الأطراف الثلاثة مسؤولياتها.

في المحصّلة، لا يمكن لأي قانون أن يشكّل مدخلًا حقيقيًا للخروج من الأزمة المالية ما لم يُبنَ على أرقام واضحة، ومحاسبة جدّية، وتوزيع عادل للخسائر بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف، بعيدًا عن منطق تحميل المودعين الثمن أو الاكتفاء بحلول تجميلية.

فالأزمة لم تكن لحظة عابرة في عام 2019، بل مسارًا طويلًا من السياسات الخاطئة والارتكابات المتراكمة، ولا يمكن معالجتها إلا عبر مواجهة الحقيقة كاملة، وإعادة الاعتبار لشبكة الأمان الاجتماعي، واستعادة الثقة المفقودة بين المواطن والدولة، باعتبارها الشرط الأساس لأي تعافٍ اقتصادي حقيقي ومستدام.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: