"أمّ تحمل صليبها بصمت مريم".. فيروز أمومة الألم ورجاء القيامة

5

كيف يمكن لأمٍّ أن تحتمل هذا القدر من الوجع؟

أن تدفن ابنتها، ثم شريك عمرها، ثم ابنها الكبير، واليوم تفقد ابنها الأصغر… كيف؟

برحيل هلي الرحباني، الابن الأصغر للسيدة فيروز والفنان الكبير الراحل عاصي الرحباني، يُفتح جرح جديد في قلب أمٍّ عرفت المجد كما عرفت الألم، وسارت في الحياة بخطوات هادئة، مثقلة بالخسارات، لكنها لم تفقد يومًا إيمانها ولا كرامتها ولا صمتها النبيل.

في وجعها الصامت، تشبه فيروز مريم العذراء، تلك الأم التي حملت الصليب في قلبها قبل أن يُحمل على الكتفين. مريم التي مشت مع ابنها يسوع حتى درب الجلجلة، مشت خلف الألم بلا صراخ، وبلا تمرّد، وبلا سؤال علني، مؤمنة أن ما بعد الصليب قيامة، وأن الموت ليس الكلمة الأخيرة.

هكذا هي فيروز في مسيرتها الإنسانية: أمّ حملت أوجاعها بصمت القديسين. سلّمت أبناءها الواحد تلو الآخر لمشيئة الله، ووقفت عند مفارق الفقد كما وقفت مريم عند أقدام الصليب، مكسورة القلب، لكنها ثابتة الإيمان. لم نسمع لها نواحًا، ولم نرَ منها اعتراضًا، بل صلاة صامتة، ووجهًا يعرف أن الرجاء لا يُولد إلا من عمق الألم.

كما آمنت مريم بالقيامة بعد الموت، تبدو فيروز وكأنها تعيش إيمانها الخاص بأن اللقاء آتٍ، وأن الأحبة لا يرحلون إلى العدم، بل إلى نورٍ آخر. فالصليب الذي حملته لم يُطفئ صوتها، بل زاده قداسة، وجعل من صمتها نشيدًا لا يُغنّى، لكنه يُسمَع في القلوب.

هلي الرحباني، المولود عام 1958، عاش حياة بعيدة عن الأضواء، رافقتها تحديات صحية وإنسانية قاسية. منذ طفولته، عانى من إعاقة ذهنية وحركية، فكان حضوره في حياة فيروز مسؤولية حبٍّ كاملة، لا يشوبها تذمّر ولا شكوى. منحته أمّه كل ما تملك من حنان، ورعاية، واهتمام، وطبابة، حتى النفس الأخير.

لم يكن هلي نجمًا على المسرح، لكنه كان نجمًا في قلب فيروز.

لم يُعرف اسمه في الصحافة الفنية، لكنه كان حكاية أمٍّ تعلّمت الصبر من الألم، والشكر من الفقد.

وجاء هذا الرحيل بعد ستة أشهر فقط على وفاة شقيقه، الفنان العبقري زياد الرحباني، ليضاعف وجع العائلة الرحبانية، ويعيد طرح السؤال الإنساني الكبير: كيف يمكن للإنسان أن يُمتحن بهذا القدر، ويبقى واقفًا؟

فيروز، التي أعطاها الله نعمة أن تكون أيقونة الفن العربي وصوت لبنان الذي لا يشيخ، سلكت في حياتها الخاصة دربًا شاقًا، مليئًا بالخسارات القاسية. ومع ذلك، بقيت المرأة التي تشكر ربها على النعم، وتستقبل الألم بالصمت، لا بالشكوى.

برحيل هلي الرحباني، لا تفقد فيروز ابنًا فقط، بل تطوي فصلًا آخر من فصول الأمومة الصامتة، تلك التي لا تُغنّى، لكنها أصدق من كل الأغاني.

التعازي الحارة للسيدة فيروز، ولابنتها ريما الرحباني، السند الأكبر لأمّها في هذه المحنة الثقيلة، ولكل أفراد العائلة الرحبانية.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: