اذا أردنا الركون الى المعطيات الرسمية الصادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية، فإن نسبة النازحين السوريين الذين عادوا طوعاً الى بلادهم قد بلغت الثلث، فيما يبقى نحو ثلثين موزعين على مراكز الإيواء والمخيمات والمساكن المستأجرة في مختلف المناطق اللبنانية، لكن الواقع على الأرض يشي بحركة نزوح معاكسة من أكثر من منطقة سورية باتجاه لبنان كان آخرها ما يقارب نحو ٤٠٠ عائلة سورية غالبيتهم من الطائفتين الشيعية والعلوية أتت لتستقر في "مجمّع الإمام علي السكني لعوائل النازحين" الذي تم تشييده على أرض تابعة لبلدية الهرمل عند المدخل الشرقي بالقرب من المستشفى الحكومي، وهو يبعد نحو ٢٠٠ كلم عن الحدود اللبنانية -السورية ويضم ٢٢٠ وحدة سكنية وقد تم افتتاحه رسمياً في ١٤ كانون الأول ٢٠٢٥ خلال احتفال عُرض فيه فيلم وثائقي عن مراحل تنفيذ المشروع وأهدافه.
في واقع الحال، فإن هذا المجمّع لا يشبه على الإطلاق مخيمات اللجوء الأخرى إذا يمكن تصنيفه بأنه "مخيم خمس نجوم" يضم مئات الوحدات السكنية والمساحات المبنية من الخرسانة المسلحة أي الباطون المسلح ومحال تجارية وورش مهن عدة وصيانة، وهو مزود بالكهرباء والمياه والمرافق الصحية والخدماتية، ويحيط به سور وله مدخل واحد فقط يشرف عليه عناصر من حزب الله وهنا "لبّ الموضوع" فالمخيم أنشئ بتمويل من منظمات عراقية وتحديداً "العتبة الحسينية المقدسة في كربلاء" وبإشراف ومساهمة لوجستية وطبية من حزب الله ودعم غذائي إيراني، وفق ما جاء على لسان مسؤول منطقة البقاع في حزب الله حسين النمر، وبطريقة تمنح المكان طابعاً أمنياً خاصاً غير خاضع فعلياً لسلطة الدولة مع الاستفادة في الوقت نفسه من الخدمات العامة التي تتحمّلها خزينة الدولة، علماً بأن المجمّع يقع في نطاق حدودي شديد الحساسية أمنياً وبمعزل عن إشراف مؤسسات الدولة اللبنانية ما أثار تساؤلات مقلقة حول الكيفية التي تسمح لجهة حزبية مسلحة خارج إطار الدولة أن تقيم منطقة شبه مغلقة حيث تمارس فيها إدارة أمنية بديلة عن مؤسسات الدولة وأجهزتها الشرعية.
هذه التساؤلات اتخذت طابع المخاوف التي أعربت عنها سوريا من أن يضم المجمّع عشرات الضباط والجنود السابقين في الجيش السوري الذي تم تفكيكه بقرار من حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع، ما يثير قلقاً أمنياً مستجداً لدى دمشق ويؤدي الى "توتر مكتوم" أقله حتى الآن بين لبنان وسوريا.
عضو تكتل "الجمهورية القوية" النائب غادة أيوب كانت قد تقدمت مطلع العام الحالي بسؤال الى الحكومة عبر مجلس النواب حول هذا المجمّع وأهداف بنائه، أشارت فيه الى أن "المجمّع تم تشييده خارج أي إجراء رسمي واضح بعيداً من إشراف الدولة وبطريقة تمنح المكان طابعاً أمنياً خاصاً غير خاضع لسلطة الدولة"، مشيرة الى أنه "في الوقت الذي أعلنت فيه الحكومة اللبنانية مراراً وتكراراً تمسكها ببسط سلطة الدولة وسيادتها على كامل الأراضي اللبنانية من دون أي شراكة أو ازدواجية في السلطة والأمن والتزامها مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية من دون سواها"، موضحة أنها ستتابع الموضوع حتى النهاية لأنه "لا يجوز خلق واقع أمني خارج إطار الشرعية".
يستمر حزب الله في تعنّته من خلال الخروج عن الأطر الرسمية والشرعية لتنفيذ مآربه المبيتة، وهو تعنّت يتخذ أشكالاً عدة ومختلفة ليس آخرها أن تمتد خيمة إيواء لتصبح بحجم "دولة".