لم يعد الخطاب الصادر عن بعض منابر ما يُعرف بـ"الممانعة" يندرج في إطار الرأي أو التحليل السياسي، بل بات يعكس مقاربة تعبويّة مغلقة، تفتقر إلى المعايير المهنية للنقاش العام. فما نُشر أخيرًا لا يقدّم قراءة سياسية بقدر ما يعكس توجّهًا تحريضيًا يقوم على التخوين وتعميم الاتهامات، في محاولة لقلب الوقائع وتبرير خيارات أثبتت كلفتها العالية على الدولة والمجتمع.
اللغة المعتمدة لم تعد لغة سجال ديموقراطي، بل خطابًا إقصائيًا يساهم في تعميق الانقسام الداخلي، ويقدّم الخراب على أنّه نتيجة حتمية لا خيار بديلًا عنها. وهو خطاب يتغذّى على الأزمات، ويستثمر في التوتر، ويُمعن في شيطنة مؤسسات الدولة، لأن قيام دولة فعلية وقادرة يطرح أسئلة جوهرية حول أدوار وسرديّات اعتادت العمل خارج منطق الشرعية.
وفي هذا السياق، يُلاحظ أنّ أي نقاش حول السيادة، أو حصرية السلاح، أو القرار الوطني المستقل، يُواجَه فورًا باتهامات جاهزة تطاول النوايا والانتماءات، بدل مقاربة الأفكار بالحجج. وهو ما يحوّل الاختلاف السياسي إلى مواجهة شخصية، ويقفل الباب أمام أي نقاش عقلاني.
الأخطر أنّ هذا النهج لم يعد يكتفي بتبرير السلاح، بل يتّجه أحيانًا نحو التحريض المعنوي ضد فئات أو مسؤولين يعبّرون عن مواقف مختلفة، في مقاربة تتعامل مع البلد وكأنّه ساحة صراع دائم، لا مساحة مشتركة لإدارة الخلاف.
وفي أحدث تجلّيات هذا الخطاب، جرى تحميل أحد الوزراء مواقف لم تصدر عنه، والبناء عليها لإطلاق اتهامات قاسية تتجاوز حدود النقد السياسي المشروع. وهو مسار لا يخدم النقاش العام، بقدر ما يهدف إلى ترهيب كل من يحاول الخروج عن الخطاب السائد، وفرض معادلة قوامها الإقصاء بدل الحوار.
في هذا الإطار، أشارت مصادر وزارة الخارجية والمغتربين الى أن مهاجمة وزير الخارجية يوسف رجي ليس بشيء جديد، إذ إن الطرف الآخر يعمد كل فترة إلى مهاجمته، وتخوينه وتخوين وزارة الخارجية علماً أن مواقفه تتماهى مع مواقف رئيس الجمهورية التي تحدث عنها في إطلالته الأخيرة عبر تلفزيون لبنان.
ولفتت المصادر إلى أن الوزير رجّي يتحدث باستمرار، وفي كل مقابلاته، عمّا ورد في البيان الوزاري لجهة حصر السلاح بيد الدولة، لكن بأسلوب مباشر ومختلف، مؤكدة أنه لم يبرّر لإسرائيل قصف لبنان، بل كرر ما ورد في اتفاق وقف إطلاق النار الذي وقّعه حزب الله، ممثّلًا برئيس مجلس النواب نبيه بري، في 27 تشرين الثاني، والذي نصّ على أن يقوم الحزب بتسليم سلاحه مقابل وقف إسرائيل اعتداءاتها على لبنان واسترداد الأسرى اللبنانيين. إلا أن الحزب لم يلتزم بهذا الاتفاق، ويتذرّع بالتزامه به لمجرّد امتناعه عن إطلاق النار باتجاه إسرائيل، بعدما ورّط لبنان في حرب اتخذ قرار خوضها منفردًا، من دون أن يأخذ في الاعتبار أي وجود للدولة اللبنانية.
وأوضحت المصادر أنّ رجّي تعرّض لهجوم أيضاً بعد توجيهه إرشادات لعدد من السفراء الجدد المعتمدين، حيث زوّدهم بتوجيهات تتعلّق بمجمَل توجّهات سياسة الدولة اللبنانية، بما في ذلك ما نصّ عليه البيان الوزاري لناحية الإصلاحات الجذرية، علماً أن ما فعله يأتي ضمن إطار مهام وزير الخارجية.
وشددت المصادر على أن المواقف التي تصدر عن رجي تأتي بالتنسيق مع رئيسَي الجمهورية والحكومة وهم على توافق تام بما يخص هذا الموضوع.
الأكثر إشكالية في هذا الخطاب أنّ الجهات التي ترفع شعارات الدفاع عن "الناس" و"البيئة" نادرًا ما تتوقف عند الكلفة الفعلية لهذا النوع من السجال على اللبنانيين أنفسهم، سواء على المستوى الاقتصادي أو الأمني أو على صعيد مستقبل الأجيال المقبلة. إذ يبدو أنّ الحرب تُقدَّم أحيانًا كعنوان دائم، فيما تُختزل الدولة بدور الخصم، ويُنظر إلى أي حديث عن السلام وكأنّه موضع تشكيك.
وفي هذا السياق، لا يقتصر الهجوم على وزير أو حكومة بعينها، بل يتجاوز ذلك إلى مقاربة أوسع تمسّ مفهوم الدولة ودورها. كما أنّ هذا النهج يضيّق هامش الاختلاف، ويحدّ من إمكان النقاش الهادئ، ويصعّب البحث الجدي عن مخارج من دوّامة الأزمات المتراكمة.
من هنا، يُلاحظ أنّ بعض هذه المنابر اختارت أن تكون طرفًا مباشرًا في الصراع بدل أن تشكّل مساحة للنقاش العام، وأن تعتمد خطاب التعبئة بدل مقاربة الرأي، ما يفتح الباب أمام نوع من الوصاية غير المعلنة، ويهمّش حق اللبنانيين في النقاش الحر وفي السعي إلى الاستقرار والحياة الآمنة، بعيدًا من الشعارات والانقسامات الحادة.