ماذا يحصل بكواليس الازمة في المنطقة؟

america-iran

الضربة الأميركية لإيران لم تُلغَ، بل تأجّلت إفساحًا في المجال أمام مفاوضات وُصفت بالضخمة، تُخاض حاليًا عبر قنوات ديبلوماسية وسياسية عربية–خليجية تؤدي دور الوساطة على خط واشنطن – طهران، منعًا لانفجار الوضع وتدحرج التطورات نحو أزمة إقليمية شاملة قد تطال مجمل أوضاع المنطقة.

وبحسب المعلومات المتوافرة، قبلت طهران ببعض المطالب الأميركية، أبرزها وقف قتل المتظاهرين، والالتزام بالقانون في محاكمة من يخلّ بالأمن الداخلي.

إلا أن ما هو أبعد وأخطر من ذلك، يتمثّل في المفاوضات الجارية حول مطالب أميركية كبيرة ومصيرية تطال جوهر النظام.

الشروط الأميركية واضحة:

-         وقف قتل الشعب، تبييض السجون، إنهاء المحاكمات الصورية والمدنية، وقف الملاحقات، والشروع بإصلاحات سريعة في هيكلية النظام.

-         إلغاء البرنامج النووي الإيراني كليًا ونهائيًا.

-         إلغاء برنامج المسيّرات الإيرانية بالكامل.

-         إلغاء برنامج الصواريخ الباليستية بشكل كامل.

-         قطع العلاقات بين النظام والفصائل والميليشيات المدعومة منه في المنطقة.

في المقابل، علّقت واشنطن الضربة من دون إلغائها، فيما يستمر في الوقت نفسه حشد القوة العسكرية الأميركية الضخمة قبالة السواحل الإيرانية، من حاملات طائرات، ومدمّرات، وصواريخ كروز، ومقاتلات استراتيجية، يجري تجميعها في المنطقة، وتحتاج إلى بضعة أيام لاكتمال الترسانة الهجومية. وهو ما يدلّ بوضوح على بقاء الخيار العسكري قائمًا، مع تعديل في التوقيت لا أكثر.

جميع الاحتمالات تبقى واردة، واللحظة الراهنة هي لحظة الديبلوماسية الأخيرة. فالوساطات الخليجية والتركية والباكستانية لا تزال مستمرة، بانتظار تبلور موقف إيراني واضح حيال شروط واشنطن.

المساعي الرامية إلى منع الضربة لا تنطلق من حبّ بالنظام الإيراني، بل من خشية حقيقية من تداعيات خطيرة على المحيط الإقليمي، في حال غابت البدائل التي توحي بالثقة والاطمئنان.

إسرائيل، من جهتها، بحاجة إلى استكمال ترسانتها الدفاعية تحسّبًا لأي هجوم صاروخي إيراني محتمل في حال اندلاع المواجهة. وفي هذا السياق، يتشاور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول الضربة وتداعياتها.

دول الخليج تخشى على استقرار المنطقة، واستقرار أسواق النفط، والدورات الاقتصادية والتجارية. غير أن سؤالًا جوهريًا يبقى بلا جواب: لماذا هذا الضخ الإعلامي الكبير حول توقف الضربة، والوساطات الخليجية، وخبر طلب بنيامين نتنياهو من ترامب التمهّل، وما يُنقل عن دراسة الرئيس ترامب لخيارات الحلول الديبلوماسية مع الإيرانيين، في الوقت نفسه الذي يُتداول فيه عن احتشاد ترسانة عسكرية أميركية ضخمة في المنطقة، واستدعاء حاملة الطائرات أبراهام لينكولن من بحر الصين الجنوبي باتجاه الشرق الأوسط؟

وهي حاملة تشكّل بحد ذاتها أسطولًا خامسًا كاملًا، مع مدمراتها وغواصاتها ومقاتلاتها. فماذا يؤشر كل ذلك؟

الثابت أن هناك إعدادًا لما بعد نظام الملالي، وهو ما يتطلّب ضمانات إضافية ونتائج مؤكدة.

في هذا الإطار، يجري تطوير قدرات القواعد الأميركية في الخليج عبر إضافة منظومات دفاع صاروخي جديدة من نوع ثاد، فيما تنشر إسرائيل دروعًا صاروخية حديثة في قلب مناطقها الحساسة.

ولا بد من التذكير بمواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب عشية اندلاع حرب حزيران الماضية على إيران، حين كان خطابه مهادنًا للنظام الإيراني، قبل أن يقع في اليوم التالي ما وقع. وعليه، فالضربة قادمة خلال أيام، وقد عُلّقت لكنها لم ولن تُلغى.

أما المواقف الخليجية المهادنة، فلا تهدف سوى إلى إبراء الذمة تجاه إيران، تمهيدًا لرفع الغطاء الشرعي عنها في حال تعرّضت سيادة أراضي تلك الدول لأي خرق، ضمن ردّ طهران المحتمل على الهجوم الأميركي–الإسرائيلي المرتقب.

في السياسة الدولية، والحسابات الجيوسياسية، ولا سيما في ظل إدارة دونالد ترامب، لا تُدار الأمور عبر التصريحات والمواقف المعلنة، إذ لا دور لها سوى خلط الأوراق.

كواليس المنطقة تشهد حالة غليان غير مسبوقة. وما يُبحث حاليًا، حقيقة، ليس الضربة بحد ذاتها ولا توقيتها، بل طبيعتها: هل ستكون ضربة دقيقة قاسمة بنتائج حاسمة؟ أم ضربة قاضية تطال النظام برمّته؟

كل المؤشرات تؤدي إلى أن بداية نهاية النظام انطلقت منذ اليوم الأول للمظاهرات في إيران، بل منذ السابع من تشرين الأول، وبات إسقاط النظام الهدف الاستراتيجي الأوحد.

ويبقى أن نشير إلى أنه، مقابل السلام الإبراهيمي، ثمة سلام "قوروشي" يلوح في الأفق.

المسألة، في المحصّلة، مسألة أيام.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: