ليست جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية مجرّد جمعية عريقة في سجلّ المؤسسات اللبنانية، بل هي تجربة إنسانية ووطنية متكاملة، شكّلت على مدى 148 عاماً مساحة ثابتة للإنسان وحقوقه وكرامته. مساحة للتعليم الذي يبني الوعي، وللصحة التي تصون الحياة، وللفكر والإيمان اللذين يمنحان المعنى، وللوطن الذي آمنت به المقاصد مشروعاً جامعاً لا يُقصي ولا يُجزّئ.
منذ تأسيسها عام 1878، حملت المقاصد رسالة واضحة قوامها الأخلاق قبل أي شيء آخر. لم تكن الأخلاق شعاراً يُرفع في المناسبات، بل ممارسة يومية تجلّت في عملها التربوي والاجتماعي والإنساني. بهوية إسلامية جامعة ومنفتحة، رسّخت المقاصد دورها الوطني الرائد، فكانت جسراً بين اللبنانيين، ومثالاً حيّاً على أن الانتماء الديني الصادق لا يتناقض مع الانتماء الوطني، بل يعزّزه.

في مدارسها، نشأت أجيال تعلّمت أن العلم مسؤولية، وأن المعرفة لا تنفصل عن القيم. ومن بين معلميها وتلامذتها خرجت شخصيات أسهمت في الحياة الوطنية والإدارية والفكرية، وحملت معها روح المقاصد إلى مواقع المسؤولية المختلفة. وفي مستشفاها، ظلّ الإنسان محور الاهتمام، بعيداً من أي تمييز، فيما شكّلت مطابعها ومنشوراتها رافداً أساسياً للثقافة والمعرفة، وكانت إذاعتها صوتاً للوطن في زمنٍ كان فيه الصوت الحرّ حاجة وجودية.
وخلال المراحل القاسية التي مرّ بها لبنان، من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية، لم تنكفئ المقاصد عن دورها، بل بقيت قلعة صمود ومرجعية أخلاقية. آمنت بأن التربية في زمن الانهيار فعل مقاومة، وبأن خدمة الإنسان هي أصدق أشكال الالتزام، وبأن الحفاظ على القيم هو السبيل الوحيد لحماية المجتمع من التفكك.
اليوم، وفي عيدها الثامن والأربعين بعد المئة، لا تستحضر المقاصد ماضيها بدافع الحنين، بل تؤكد على استمرارية رسالتها في الحاضر والمستقبل. فهي، كما كانت دائماً، حصن أخلاق، ومساحة جامعة، ومشروع وطني ثابت في بلد لا يزال بأمسّ الحاجة إلى مؤسسات تشبه المقاصد، مؤسسات تؤمن بالإنسان أولاً، وبالوطن مسؤولية مشتركة، وبالأخلاق طريقاً لا خياراً.