لبنان على أبواب زلزال مدمّر: حقيقة أم تهويل؟

WhatsApp Image 2026-01-21 at 11.18.23

4 هزّات خلال أسبوعٍ واحدٍ فقط. من الشمال إلى الجنوب، شعر معظم اللبنانيّين بهزّة واحدة على الأقلّ. البيوت ترنّحت والقلق بدأ، لأنّ معايير السلامة مُهمَلة. في بلدٍ يعيش على وقع النشاط الزلزاليّ، يبقى البناء المُقاوِم للزلازل غائباً، ما يضع السلامة العامّة أمام اختبارٍ حقيقيّ.

وفي خضمّ هذا النشاط الزلزالي، تصاعدت التساؤلات: هل هناك احتمال لزلزال قويّ؟ ما مدى خطورة فالق اليمّونة؟ كلام خبير الزلازل الهولنديّ حقيقة أم تهويل؟ هل المباني في لبنان مهيّأة؟

وفي هذا السياق، يوضح خبير الزلازل الدكتور طوني نمر حقيقة ما يحصل، ويفصل بين الواقع الجيولوجي والمبالغات المتداولة. ويقول نمر، في حديثٍ خاصّ إلى موقع LebTalks، إنّ "النشاط الزلزاليّ الحاليّ طبيعيّ جدّاً، إذ إنّ فالق البحر الميّت في حركة دائمة، وتخضع هذه الحركة لدورات دوريّة تقوى وتخفّ أحياناً". يُضيف: "ما نشهده حاليّاً هو مرحلة من هذه الدورات، حيث أصبحت الحركة أقوى قليلاً من المعدّل العاديّ، ما يفسّر تسجيل هزّات عدّة خلال الأسبوع الأخير تراوحت شدّتها بين 3 و4 درجات. لكنّ ذلك، علميّاً، لا يشكّل بحدّ ذاته مؤشّراً على خطرٍ أكبر".

الزلازل القويّة: احتمال دائم لا موعد له

يؤكّد نمر أنّ "ما يحصل اليوم لا يغيّر من احتماليّة وقوع زلزال قويّ في لبنان". ويعلن أنّ "تاريخيّاً، شهد لبنان زلازل كبيرة على فالق البحر الميّت، وهذه الفوالق تحرّكت سابقاً وقد تعود وتتحرّك، لأنّ العوامل الجيولوجيّة نفسها لا تزال قائمة. لكنّ الأهمّ أنّ ذلك لا يعني أنّ زلزالاً كبيراً بات قريباً. فعِلْم الزلازل يُبيّن أنّ 95% من الزلازل القويّة تبدأ فجأة من دون مقدّمات، فيما 5% فقط تسبقها هزّات استباقيّة"، مؤكّداً أنّ "الزلزال القوي سيحصل يوماً ما، لكن قد لا يكون في أيّامنا، وقد يأتي بعد مئات السنين".

ويشرح أنّ "فالق اليمّونة هو الفالق الأساسي في لبنان، وهو الامتداد اللبناني لفالق البحر الميّت. عند دخول هذا الفالق إلى لبنان، ينقسم إلى 4 فوالق: اليمّونة، روم، راشيا، وسرغايا. جميعها فوالق ناشطة تاريخيّاً". ويشير إلى أنّ "فالق اليمّونة يتميّز بطوله الذي يبلغ نحو 170 كيلومتراً، ما يجعله قادراً، في حال تحرّكه الكامل، على إحداث هزّات أقوى من غيره". ويشدّد على أنّه "لم يكُن سبب الهزّات الأخيرة، إذ إنّ الهزّة التي سُجّلت في الشمال حصلت على فالق سرغايا".

الزلازل.. أساس طبيعة لبنان

جيولوجيّاً، يعتبر نمر أنّ "للزلازل دور أساسي في تكوين الجبال والوديان، وهي السبب في نشوء جبل لبنان والبقاع والسلسلة الشرقيّة. فحركة قشرة الأرض عبر التاريخ، بحسب قوله، هي التي شكّلت طبيعة لبنان كما نعرفها اليوم. بيئيّاً، تؤثّر هذه الحركات على المياه الجوفيّة، إذ تخلق مجارٍ أرضيّة وانكسارات تسمح للمياه بالتحرّك والتجمّع".

المراقبة العلميّة وتقليل المخاطر

وحول المراقبة العلميّة للزلازل يفيد خبير الزلازل بأنّ "العمل العلمي يبدأ برصد الزلازل وتحديد مواقعها وأعماقها، إلى جانب الدراسات الجيولوجيّة الزلزاليّة والعمل الميداني، تُدرس الفوالق التي لم تتحرّك منذ فترات طويلة لمعرفة تاريخ حركتها وإمكان تحرّكها مستقبلاً، لكن ضمن فترة زمنيّة طويلة قد تصل إلى 200 سنة، لا عبر توقّعات لأيّام أو أسابيع".

وحول المناطق الأكثر تأثّراً، يؤكّد أنّ "لبنان بلد صغير تتقاطع فيه 4 فوالق زلزاليّة، ما يعني أنّ جميع المناطق قريبة من فوالق بدرجات متفاوتة، والأكثر تأثّراً بالهزّات هي المناطق الرمليّة والترابيّة والسهول، لأنّ الأبنية المقامة عليها تتأثّر بالموجات الزلزاليّة أكثر من تلك المشيّدة على الصخور الصلبة".

ردٌّ على تصريحات الخبير الهولنديّ!

وفي ما يتعلّق بتصريحات خبير الزلازل الهولنديّ الذي يقول: "ما ينطبق على لوس أنجلوس ينطبق على الشرق الأوسط (صدع البحر الميت، سوريا، لبنان، فلسطين)، حيث لم تشهد المنطقة زلازل كبيرة (بقوة 7 درجات) منذ زمن طويل، وتُعدّ الهزّات الأرضية الطفيفة مؤشراً على تراكم الضغط في المنطقة"، يجيب الدكتور نمر: "لا يخبر شيئاً جديداً، بل ما يتكلّم عنه نعلّمه للتلاميذ، ولكن الطريقة والتوقيت خاطئان وهدفه الأساسيّ هو التخويف، فربط بين الهزّات الخفيفة وتراكم الضغط على فالق البحر الميّت"، معتبراً أنّ هذا "الكلام ليس جديداً علميّاً، بل يُدرَّس في المناهج الأكاديميّة". المشكلة، برأيه، تكمن "في التوقيت وطريقة الطرح التي تميل إلى التخويف، عبر القفز مباشرة من هزّات بقوّة 3 أو 4 درجات إلى الحديث عن زلزال بقوّة 7 درجات قريباً. هنا، يخرج النقاش من إطار العلم إلى دائرة التهويل والتنجيم، ويتجاوز القيم العلميّة. فالهزّات الخفيفة بقوّة 3 درجات وما فوق تُسجَّل يوميّاً حول العالم على حدود الصفائح التكتونيّة، ولا تعني تلقائيّاً أنّ كارثة وشيكة".

المهندس طراد: الأبنية قبل 2005 أكثر عرضة للخطر

يشير المهندس طوني طراد، في حديثٍ لموقعنا، إلى أنّ "موقع لبنان على فوالق زلزاليّة ناشطة، إضافةً إلى تأخّر صدور وتطبيق قانون البناء المقاوم للزلازل، يرفعان من مستوى الخطر على الأبنية". ويوضح أنّ "قانون البناء المقاوم للزلازل صدر عام 2005، ما يعني أنّ عدداً كبيراً من المباني شُيِّد قبل هذا التاريخ ولم يُصمَّم لتحمّل الهزّات الأرضيّة". ويؤكّد أنّ "الأبنية التي أُنشئت بعد 2005 والتُزم فيها بالمعايير الهندسيّة هي أقلّ عرضةً للانهيار".

ويحذّر طراد من أنّ "الأبنية التراثيّة مهدّدة بشكل خاصّ، لا سيّما في المناطق التي تعجز البلديّات فيها عن ترميمها أو تدعيمها، ما يجعلها عرضةً لأضرار كبيرة عند أيّ زلزال قويّ".

 بين حتميّة الزلازل وغموض مواعيدها، يبقى الخطر الأكبر في غياب الجهوزيّة. على أمل بناء أقوى، تطبيق صارم لمعايير السلامة، ورقابة مشدّدة.. فاللبنانيّ لم يعُد يحتمّل المزيد من الأزمات.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: