مع اقتراب ملف اليونيفيل من خواتيمه، يتجّه الجنوب اللبناني نحو مرحلة جديدة قد تُغيّر موازين الأمن والسياسة فيه بشكل جذريّ. مصادر ديبلوماسية أميركية تشير في حديث لـLebTalks إلى أن انسحاب قوّة الأمم المتحدة في أواخر الـ2026 قد يُفسح المجال لوجود أمني أميركي مُباشر على الحدود مع إسرائيل، في خطوة تعكس مقاربة دولية غير مسبوقة تعتمد على المُراقبة المتطورة والتدخل المحدود للقوات غير الأميركية، في سياق إعادة صياغة الواقع اللبناني كحزمة واحدة تتقاطع فيها السياسة مع الأم.
هذه الرؤية تثير تساؤلات جدّية حول مدى إمكانية إنشاء وجود أمني أميركي في الجنوب، ولكن بالتوازي، التقلبات على الصعيدين العالمي، كما في فنزويلا، والإقليمي، كما في إيران، تجعل أيّ تحرك خارجي من هذا النوع ليس بعيداً من الإمكان.
في السياق، أشارت المتحدّثة باسم اليونيفيل كانديس أرديل في حديث خاص لموقع LebTalks إلى أنّ "تواصل اليونيفيل تركيزها على تنفيذ الولاية الممنوحة لها من قبل مجلس الأمن الدولي، ويشمل ذلك عملها المُشترك مع الجيش اللبناني لوضعه في أفضل موقع مُمكن لتسلّم المهام الأمنيّة التي تؤدّيها حالياً قوّات حفظ السلام بموجب القرار 1701"، مؤكدةً أن "اليونيفيل ستستمرّ في تنفيذ هذه الولاية بأمانة كاملة حتى 31 كانون الأول 2026".
وكشفت أرديل عن أن "المجلس سيتّخذ قراره بشأن الخطوات اللاحقة، استناداً إلى المقترحات التي سيقدّمها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في شهر حزيران"، معتبرةً أنه "ليس من ضمن دور اليونيفيل الانخراط في هذه النقاشات".
وقالت إن "قوّة اليونيفيل موجودة في جنوب لبنان بناءً على طلب من الحكومة اللبنانية وبتفويض صادر عن مجلس الأمن الدولي".
وتابعت أرديل: "طالما أنّ هذا الطلب قائم وأنّ التفويض لا يزال ساري المفعول، فإنّ اليونيفيل ستواصل حضورها".
وفي هذا الإطار أيضاً، أوضحت أرديل أن "إرساء سلام دائم يبقى الهدف النهائي لأيّ مهمّة لحفظ السلام، إذ لا يمكن لهذه المهمّات أن تعمل إلا في أماكن لم يتحقّق فيها السلام الكامل بعد"، مشدّدة على أن "إنهاء ولاية اليونيفيل نتيجة وضع حدّ لهذا النزاع الممتدّ منذ سنوات طويلة يُعدّ السيناريو الأفضل الممكن".
مع ذلك، لفتت إلى أن "غالباً ما تُنشَر عمليّات حفظ السلام لدعم ومُراقبة تنفيذ اتّفاقات السلام، غير أن السلام لا يتحقّق فور توقيع الاتّفاقات بل يُرسَّخ تدريجياً من خلال تنفيذها الدقيق والفعّال على الأرض".
أمّا فيما يخصّ الانسحاب التدريجي لعناصر اليونيفيل من جنوب لبنان، فأفادت أرديل بأن "حتى تاريخه، عاد أكثر من 1900 عنصر من قوّات اليونيفيل إلى بلدانهم، على أن يُعاد نحو 250 عنصراً إضافياً بحلول شهر أيّار المقبل".
وقالت: "مُصوّبةً سهامها على أهميّة دور اليونيفيل ومدى إمكانيّة الاستغناء عنها أو استبدالها في المرحلة المُقبلة"، ولفتت أرديل إلى "أنني لن أنخرط في التكهن بنماذج أخرى، لكنّ التاريخ واضح في هذا الشأن".
وتابعت: "وجود اليونيفيل في جنوب لبنان كان دائماً قائماً على موافقة الحكومة اللبنانية، بل وبناءً على طلبها، ويُكرَّس مبدأ سيادة لبنان في قرارات مجلس الأمن الدولي"، معتبرةً أنه "الأمر الذي أسهم في تعزيز الشرعية والثقة والدعم للجهود التي بذلتها اليونيفيل لبناء الاستقرار".
وحول هذا المبدأ، فقد شدّدت أرديل على أن "هذا النموذج أتاح في إطار القرار 1701 فترة غير مسبوقة من الاستقرار على طول الخطّ الأزرق بين عامَي 2006 و2023".
وعلى هامش هذا الملف، تطرّقت أرديل إلى الاعتداءات المُستمرّة على عناصر اليونيفيل على الحدود اللّبنانية – الإسرائيلية، واعتبرت أنّه "يقع على عاتق كلٍّ من لبنان وإسرائيل واجب ضمان سلامة وأمن عناصر حفظ السلام وتجنّب أيّ عمل من شأنه تعريضهم للخطر.
وردّاً على عدد من الحوادث الخطيرة التي شهدتها السنوات الماضية، بما في ذلك العدد المُقلق من الاعتداءات التي استهدفت قوّات حفظ السلام أو وقعت بالقرب منها من قبل الجيش الإسرائيلي في الأسابيع الأخيرة، افادت بأن "اليونيفيل اضطرت إلى تذكير الأطراف المعنيّة بأنّ أيّ أعمال تُعرّض عناصر حفظ السلام للخطر تُعدّ انتهاكات جسيمة للقرار 1701".
وكشفت أرديل عن أنه "يُسجَّل اعتراض رسمي على كلّ حادثة، كما تُرفع جميعها إلى مجلس الأمن"، مؤكّدةً مُجدداً أنّ "أيّ إجراءات أو عوائق تحول دون تمكّن قوّات حفظ السلام من أداء مهامها الموكلة إليها بفعالية وحياد تُشكّل بدورها انتهاكاً للقرار".
فمع اقتراب انسحاب اليونيفيل بالكامل، يبقى الجنوب اللبناني نقطة اختبار حقيقيّة لاستقرار المنطقة، حيث تتقاطع السيادة الوطنية مع المصالح الدولية، ويظلّ أيّ تحرك أمني خارجي مترقّباً، حاملاً معه تداعيات حاسمة على مستقبل لبنان الأمني والسياسي.