ليس كل ما يقال رأياً، وليس كل خطاب سياسي محمياً بحرية التعبير، فما حصل على مدخل الطريق المؤدي إلى القصر الجمهوري، من وقوف علني وإطلاق مواقف تحمل في مضمونها تحريضاً غير مباشر على الانقلاب على رئيس الجمهورية والتشكيك بشرعية موقع الرئاسة، يضع الدولة اللبنانية أمام اختبار خطير، إما تطبيق القانون، أو تكريس منطق الإفلات من المحاسبة.
القصر الجمهوري ليس ساحة عادية، هو رمز السيادة الدستورية، ومقرّ رأس الدولة، وأي فعل أو خطاب يمارَس في هذا المكان، وبطريقة علنية، يكتسب تلقائياً بعداً سياسياً وقانونياً مضاعفاً. وعندما يتضمّن هذا الخطاب دعوات مبطنة لإسقاط موقع دستوري أو الطعن بشرعيته خارج الأطر الدستورية، فإن المسألة لا تعود مجرّد "موقف سياسي"، بل تدخل في خانة التحريض كما يعرّفه قانون العقوبات اللبناني.
قانون العقوبات واضح وصريح في هذا المجال، وبحسب مصدر قانوني، فالمادة 303 تنص على معاقبة كل من يرتكب فعلاً بقصد إثارة عصيان مسلّح ضد السلطات القائمة بموجب الدستور، وتشدّد العقوبة في حال أدى هذا العصيان إلى نتائج فعلية. ورغم أن النص يتحدث عن العصيان المسلّح، إلا أن الفقه والاجتهاد يعتبران أن التحريض العلني الذي يهدف إلى زعزعة الشرعية الدستورية يمكن أن يدرَج ضمن الأفعال التمهيدية الخطرة متى توافرت النيّة.
أما المادة 304، وفق ما أكد المصدر في حديث لـLebTalks، فهي أكثر مباشرة، إذ تجرّم كل اعتداء يهدف إلى منع السلطات الدستورية من ممارسة وظائفها المستمدة من الدستور، سواء تمّ ذلك بالقوة أو بالتحريض أو بالضغط السياسي المنظّم. وهذا النص لا يشترط تنفيذ الفعل، بل يكتفي بثبوت الهدف والوسيلة.
وتأتي المادة 305 لتُكمل الإطار القانوني، إذ تعاقب على المؤامرة التي تستهدف ارتكاب إحدى الجرائم المذكورة، حتى ولو لم تُنفّذ. أي أن القانون اللبناني لا ينتظر سقوط الدولة كي يتحرّك، بل يجرّم التحضير والتحريض عندما يكونان موجّهين بوضوح ضد النظام الدستوري.
انطلاقاً من هذه النصوص، يصبح من المشروع طرح السؤال، ألا يشكّل الخطاب العلني الذي يدعو، ولو بشكل غير مباشر، إلى إسقاط رئيس الجمهورية أو التشكيك بشرعيته، تحريضاً يستوجب المساءلة؟
والأهم، لماذا لم تتحرك النيابة العامة؟ لماذا لم يُفتح تحقيق؟ ولماذا لم يصدر أي موقف رسمي واضح يضع حداً لهذا النوع من الخطاب؟
الخطورة لا تكمن فقط في ما قيل، بل في الصمت الرسمي، فهذا الصمت يخلق سابقة، ويبعث برسالة مفادها أن المسّ بالمواقع الدستورية مباح، وأن القانون يطبَّق انتقائياً بحسب الجهة أو التوازنات السياسية. وهنا تحديداً تبدأ الدولة بالتفكك، لا بانقلاب عسكري، بل بتآكل هيبة القانون.
ومن الخطأ القاتل تحويل هذا النقاش إلى مسألة طائفية، المشكلة ليست في طائفة أو بيئة، بل في خطاب سياسي معيّن تكرّر في مراحل سابقة، حيث وُجّهت اتهامات علنية إلى رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بالخيانة أو العمالة أو "الصهيونية"، من دون أي محاسبة. السكوت عن تلك الممارسات سابقاً هو ما شجّع على تكرارها اليوم.
حرية التعبير حق مقدّس، لكن التحريض على تقويض النظام الدستوري ليس رأياً، والديموقراطية لا تُحمى بالفوضى، بل بالقانون. وعندما تتقاعس الدولة عن تطبيق قوانينها، فإنها لا تحمي الاستقرار، بل تؤجل الانفجار.
اليوم، الكرة في ملعب السلطات اللبنانية. إما أن تثبت أن القانون لا يزال مرجعية، وأن المس برأس الدولة ليس تفصيلاً، وإما أن تعترف ضمنياً بأن الدستور أصبح ورقة، وأن التحريض بات مشهداً عادياً في بلد فقد بوصلته.
السؤال لم يعد "من قال؟"، بل، لماذا لم تُحاسِب الدولة؟