سلام يسطّر دروس الإنسانية بالسياسة.. ويُعيد لبنان إلى "روح الحوار"

salam

في مشهدٍ سياسي اعتاد الصدام ورفع السقوف، بات الرقي استثناءً نادراً، وكأن الأخلاق ترف لا مكان له في الحياة العامة. مع مرور السنوات، ترسّخت صورة السياسي المتعالي، الذي يرى في المنصب سلطة تبيح له الانفعال، وتبرّر له الخطاب الفوقي، خصوصاً في علاقته مع الإعلام. وسط هذا الواقع، يبرز أداء رئيس الحكومة نواف سلام كحالة مختلفة، لا لأنها خالية من الهفوات، بل لأنها تُدار بعقلية المسؤول لا بعصبية الموقع.

ما يميّز هذا الأداء هو الثبات في السلوك، سلام لا يتعاطى مع الإعلام من موقع الخصومة، ولا يتعامل مع الأسئلة على أنها استفزاز شخصي. لغته هادئة، حضوره متّزن، وكلماته تُقال بوعي لمسؤولية الكلمة في بلدٍ أنهكته الانقسامات. وهذا بحد ذاته كسر لنمط سائد، اعتدنا فيه على سياسيين يعتبرون أن المناصب تحوّلهم تلقائياً إلى أشخاص لا يُسألون ولا يُحاسَبون.

وفي إحدى المقابلات التلفزيونية الأخيرة، طغى التباس لافت على مجريات الحوار، حيث جرى توجيه الكلام إلى الإعلامية بصيغة المذكّر طوال المقابلة تقريباً، ما فتح باباً واسعاً للتأويل، لا سيما في بلدٍ شديد الحساسية تجاه الخطاب، واللغة، وما تحمله من دلالات. الواقعة بحد ذاتها كانت كفيلة بإشعال سجال، لو تم التعامل معها بعقلية دفاعية أو هجومية كما اعتدنا من كثيرين.

إلا أن ما تلا المقابلة كان الأهم، فبدلاً من التجاهل أو المكابرة، بادر سلام بالتواصل مع الإعلامية وشرح الملابسات، مؤكداً أن ما حصل كان نتيجة سوء تواصل تقني فرضته ظروف البث المباشر، حيث اقتصر التواصل على الصوت من دون الصورة. والأهم، أن هذا التوضيح ترافق مع اعتذار صريح عن أي التباس غير مقصود.

هنا، لا تكمن المسألة في الخطأ بحد ذاته، بل في طريقة مقاربته. فالاعتذار، حين يصدر عن موقع مسؤولية، لا ينتقص من الموقع، بل يعزّزه. والاعتراف بالالتباس لا يُضعف الهيبة، بل يرسّخها، وهي سلوكيات نفتقدها في حياة سياسية اعتادت الإنكار ورفض تحمّل المسؤولية.

خطاب سلام الهادئ، الرصين، يعيدنا إلى زمنٍ لم تكن فيه السياسة نشازاً عن الثقافة، ولا الكلمة عبئاً ثقيلاً، بل امتداداً لفكرة لبنان كمنارة فكر وحوار في هذا الشرق المضطرب. يومها، كان الاختلاف يُدار باللغة، لا بالانفعال، وبالمنطق، لا بالصراخ، وكان للخطاب العام وزن يشبه وزن الموقع والمسؤولية.

اليوم، في زمنٍ تتآكل فيه اللغة على منصّات التواصل الاجتماعي، ويهبط فيه منسوب النقاش إلى مستويات غير مسبوقة من التشنّج والتخوين، يصبح الخطاب الراقي فعلاً مقاوماً. مقاومة هادئة في وجه الابتذال، وتذكيرٌ بأن الكلمة لا تزال فعلاً أخلاقياً قبل أن تكون أداة سياسية.

من هنا، لا تكمن أهمية أداء سلام في مواقفه وحدها، بل في أسلوبه. في قدرته على إعادة الاعتبار لفكرة أن المسؤولية لا تُمارَس بالصوت العالي، بل بالاتّزان، وأن المنصب لا يمنح صاحبه حق الفوقية، بل يحمّله عبء المثال.

وفي بلدٍ أنهكته الأزمات، وتعب من انكسار صورته عن نفسه، نحن بأمسّ الحاجة إلى هذا النوع من السلوك العام، سلوك يُعيد السياسة إلى حجمها الإنساني، ويُذكّر بأن لبنان الذي نبحث عنه لم يكن يوماً بلداً للصراخ، بل مساحة للكلمة الحرة، الهادئة، والمسؤولة.

قد لا تغيّر الأخلاق وحدها مسار الانهيار، لكنها ترسم اتجاهه المعاكس، وسلام، من خلال أدائه وخطابه، يقدّم درساً بسيطاً وعميقاً في آن، حين ينهار كل شيء، يبقى الرقي آخر ما يجب أن نسقطه، لأنه أول ما نبني به.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: