كتب طوني كرم في صحيفة "نداء الوطن":
لم يعُد اعتبار السجون اللبنانية "قنبلة موقوتة" مجرّد استعارة صحافية، مع تأكيد مصدر قضائي رفيع أن السجون آيلة حتمًا إلى الانفجار، ما لم يُسرع المعنيّون في تحمّل المسؤولية والشروع في البحث عن إطار قانونيّ منصف لعفو عام، اليوم قبل الغد، يلاقي التطوّرات والتغييرات التي يشهدها لبنان ودول المنطقة، وفي طليعتها سوريا، بعيدًا من الحلول الترقيعيّة التي لن تؤدّي إلّا إلى تعميق الانفجار المقبل داخل السجون، وتفاقم الأزمة.
وتندرج هذه المقاربة في اقتراب لبنان وسوريا من إبرام اتفاقية تبادل السجناء المحكومين بين البلدين، لن يتعدّى عدد المستفيدين منها 200 محكوم سوري في السجون اللبنانية، مع الإبقاء على رفاقهم اللبنانيين المدانين في الجرم ذاته موقوفين، بشكل مخالف لأبسط قواعد العدالة؛ ويحوّل معضلة الموقوفين السوريين الآخرين في لبنان إلى عبء تشترط سوريا حلّه كمدخل لتوطيد العلاقات السياسية بين البلدين.
وحين تعجز الكلمات والصرخات عن الوصول، لا يبقى أمام السجناء سوى "الأمعاء الخاوية"، لعلّها تصرخ في وجه سلطة أصمّت آذانها عن واقع السجون: اكتظاظ قاتل، وفيات متزايدة، محاكمات مؤجّلة، وعدالة مشلولة بين إضرابات متواصلة من المساعدين القضائيين والقضاة من جهة، وتعذر سوق الموقوفين والمماطلة في محاكمتهم من جهة أخرى. ما جعل "نسبة الموقوفين من دون محاكمة تبلغ 83 في المئة من عدد السجناء؛ ما أدّى إلى تفاقم الأوضاع الصحية والغذائية والأمنية، ونشوء حالات تململ وتمرّد وانتحار، وانتشار أمراض وبائية، وتعاطي المخدّرات، التي تصل إلى السجناء من خلال تواطؤ بعض عناصر التفتيش، كما عبر طائرات درون مسيّرة، وفق ما كشفت نقابة المحامين في بيروت.
هذا ما فاقم الوضع في السّجون، ودفع سجناء في سجن رومية المركزي إلى الإعلان عن خطوات تصعيديّة، مع تغافل المسؤولين عنهم والشروع في حلّ ملف المحكومين السوريين، عبر تسجيل مصوّر احتجاجًا على "الظلم وتكريس العدالة الانتقائية بدلًا من العدالة الانتقالية"، وأعلنوا البدء بإضراب شامل عن الطعام منذ يوم أمس الاثنين، ودعوا عائلاتهم إلى وقفة احتجاجية يوم الجمعة أمام ساحة رياض الصلح في بيروت.
ويترافق تصعيد السجناء مع استمرار المساعدين القضائيين، للأسبوع الثالث، في اعتكافهم عن القيام بعملهم وتسيير عمل المحاكم، وانضمام القضاة اليوم إلى الإضراب. إذ دعا نادي القضاة في لبنان إلى توقف تحذيري عن العمل في مختلف المحاكم والدّوائر القضائية يوم الثلثاء الواقع فيه 27 كانون الثاني 2026، تزامنًا مع مناقشة مشروع الموازنة، تأكيدًا على مطالبهم بوجوب تحسين رواتب القضاة والمساعدين القضائيين وتأمين اللوجستيات اللازمة لقصور العدل كافة. وأكّدوا أن المسؤولية أولًا وأخيرًا تقع على عاتق السلطتين التشريعية والتنفيذية، واعتبروا أن الاعتمادات الرمزية الصورية المرصودة في الموازنة لصالح وزارة العدل، والتي تدخل ضمنها موازنة مجلس شورى الدولة والمحاكم العدلية، هي دليل دامغ على الإمعان في ضرب مرفق العدالة. ودعوا إلى تصحيح المسار والتعاطي بجدية مع المطالب المحقة، التي تبدأ بموازنة ورواتب تليق بالعدل.
في حين دعا مجلس القضاء الأعلى النوّاب إلى ضرورة التجاوب مع الجهود التي بذلها وزير العدل عادل نصار والمطالب والمقترحات المتعلّقة بحقوق القضاة والمساعدين القضائيين وأوضاع قصور العدل، تلافيًا لأي تداعيات سلبية قد تنتج عن تجاهلها.
وإلى جانب المطالب المعيشية للعاملين في نطاق السلطة القضائية، تشهد السجون اللبنانية ارتفاعًا غير مسبوق في حوادث الموت والانتحار، وتحديدًا في سجن رومية الذي يضمّ ما يقارب 6494 نزيلًا. الأمر الذي دعا رئيس لجنة حقوق الإنسان النيابية، النائب ميشال موسى، إلى "تحقيق جدّي وشفاف لتحديد الملابسات وإحقاق الحق، وتسليط الضوء على مواضع الخلل والتقصير حيثما وُجدت". واستغرب استمرار التعاطي الرسمي مع أوضاع السجون اللبنانية باعتبارها "شأنًا ثانويًا"، فيما هي "قنبلة إنسانية موقوتة تضع سمعة الدولة اللبنانية على المحك".
وأمام تفاقم أزمة السجون، يأمل مصدر حقوقي متابع أن تنجح الأمعاء الخاوية التي اختارها سجناء رومية وسيلةً للاحتجاج أخيرًا في اختراق الآذان الصمّاء للمسؤولين عمّا يجري داخل السجون اللبنانية، حيث يسود واقع غير إنساني، وارتفاع مقلق في أعداد الوفيات، وتأخير فاضح في المحاكمات، في ظلّ إضراب مستمرّ للمساعدين القضائيين منذ أسابيع، يدفع ثمنه السجناء والمتقاضون على حدّ سواء.