كتبت رولا عبدالله: لم تكن اليسار المير تمرّ في شوارع القبّة في طرابلس كعابرة عاديّة. كانت تمشي بخفّة من يعرف أن في جيبه ما يكفي من حنانٍ ليؤجّل وجع العالم ساعةً إضافية. ممرضةٌ تُخفّف أوجاع المرضى في مستشفى طرابلس الحكومي، تمسح الألم عن الوجوه بيد خبِرت التعب، وتعود في نهاية يومها إلى بيت يعرف الخطر أكثر ممّا يعرف الأمان. وحين كانت تعود، لم تكن تعود فارغة، في كيس صغير، كانت تحمل ما بقي من خبزٍ وطعام، لقطةٍ تقيم أسفل المبنى، رفيقة صامتة لا تطلب أكثر من دفءٍ يثبت لها أن الحياة ما زالت ممكنة.

فجر الانهيار، لم تنهَر الجدران وحدها. انهار معنى البيت. انهار الوعد القديم بأن السقف يحمي من المطر، لا أن يتحوّل إلى شاهد قبر. بقيت القطة هناك، أيّاماً، تدور حول الركام، تقف عند المكان نفسه، كأنها تحرس أثراً لا تريد له أن يضيع. تحدّت العلم والمعدّات الثقيلة، وبدت كأنها تقول، بحدس لا يخطئ: هنا رفيقتي… في الأسفل… هل من مُسعف؟

كانت تعرف ما لم تعرفه الخرائط.
المبنى كان مهدّداً وآيلاً للسقوط. الجميع يعرف. لكن الخوف من الشتاء أقسى، ومغادرة منزل العمر أشدّ قسوة. الذكريات لا تُحزَم في حقائب، وطفولة إليسار لم تكن قابلة للإخلاء. بين إنذار معلّق ودولة تحمل أكثر من لغم، بقيت العائلة. بقي الأب أحمد المير، وبقيت إليسار. وبقي السؤال الذي صار بعد الفاجعة إنذاراً صاخباً: ماذا لو ضرب زلزال طرابلس؟ كم إليسار سنُودّع؟ وكم حياة سنخسر في مدينة تنام فوق شقوقها؟

اليوم، ودّعها زملاؤها في مستشفى طرابلس الحكومي. دموعٌ وتصفيق. تصفيقٌ يشبه الاعتذار المتأخّر، ويشبه الشكر الذي لم يجد طريقه في الوقت المناسب. لحظة صامتة، حمل فيها الممرّضون نعش زميلتهم، كأنهم يحملون قطعةً من مهنتهم، ومن تعبهم، ومن خوفهم اليومي. خرج النعش من القبة، ومشى الوجع من طرابلس إلى عكّار.

في بلدة مار توما، كان الاستقبال حاشداً. لا لأن المكان يتّسع للحزن، بل لأن الحزن صار أكبر من أيّ مكان. حُمِل النعشان على الأكفّ، شهيدا الإهمال، بمشاركة واسعة من أهالي عكّار وطرابلس والشمال. في الصلاة، قيل ما يجب أن يُقال: إن الأبنية كلّها مهدّدة، وإن الدولة مطالبة بأن تستيقظ، وإن هذه ليست مهزلة عابرة بل جريمة متراكمة، اسمها الإهمال المزمن.
دُفنت إليسار إلى جانب والدها. دُفنت الممرضة التي داوت جراح الناس، ولم يجد بيتها من يضمّده. دُفنت الشابة التي أحبّها الناس من دون أن يعرفوها، لأن الوجوه الصادقة تُحبّ بلا تعريف. لكن ما لم يُدفن هو الغضب. وما لم يُدفن هو السؤال.

طرابلس اليوم حزينة وغاضبة. التكبير يعلو، وإطلاق النار في الهواء لا يُعيد من سقطوا، لكنه يقول إن الصمت انتهى. المدينة التي نامت طويلاً على خوفها، استيقظت على جثّة تُذكّرها بأن الفقير هنا يموت وحيداً، وأن البيوت قد تبتلع ساكنيها عند أول هزّة… أو أول شتوة.
نودّع إليسار، لا بوصفها رقماً في ملف، بل اسماً صار مرآةً لبلد كامل. نودّعها، ونترك وعداً معلّقاً في الهواء: أن لا تكون إليسار مجرّد حكاية مؤثرة تُنسى مع الوقت، بل آخر الإنذارات.
وأن تسمع الدولة أخيراً صوت القطة التي وقفت عند الركام وقالت، ببراءة موجعة: هنا إنسانة… هنا حياة… هنا كان يجب أن يُنقَذ البيت قبل أن يُشيَّع أهله.