بقلب الصحراء في المملكة العربية السعودية، وعلى امتداد كيلومترات طويلة، انطلقت النسخة الـ48 من رالي داكار لعام 2026 في 3 كانون الأوّل، الحدث الذي يجمع بين الجرأة والسرعة والدقة، ليشكّل اختباراً حقيقيّاً لقدرات الإنسان والآلة معاً.
هذه النّسخة لم تكُن مجرّد سباق جمع بين السّيارات والدراجات النارية، بل رحلة مليئة بالتحديات المتنوّعة، من السرعة العالية إلى الملاحة الدقيقة، ومن التضاريس الصحراوية القاسية إلى المُنافسة المُستمرّة.
وبعد أسابيع من التسابق، توّج السائق القطري ناصر العطية بلقب النسخة الـ48 للمرّة السادسة في مسيرته، مؤكّداً مكانته كأسطورة في رياضة السيارات العربية والعالميّة، ومثبتًا أن الخبرة والدقة والانسجام مع الملاح هي مفتاح النجاح في واحد من أصعب السباقات في التاريخ.
في هذا السياق، أشار الصحافي المُتخصّص برياضة المحرّكات فراس النمري في حديث خاصّ لموقع LebTalks إلى أن "بالنسبة لي، ما يجعل رالي داكار استثنائيًا هو أنه يُقام في المملكة العربية السعودية، في الشرق الأوسط، في واحدة من أجمل المناطق الصحراوية في العالم".
وقال: "هذا الرالي العريق، بعدما زار في فصله الثاني أميركا اللاتينية، انتقل قبل سبعة أعوامٍ إلى المملكة العربية السعودية ويشهد تحقيق نجاحاتٍ استثنائية عامًا تلو الآخر"، لافتاً إلى أن "عدد المشاركين في ارتفاع، هناك مصانع جديدة دخلت للمشاركة، مثل "لاند روفر ديفندر" (Land Rover Defender) في فئة "تي 2" (T2)، إضافةً إلى نوعية السائقين المشاركين، مع وجود عدد كبير من السائقين الذين سبق لهم الفوز برالي داكار، من الأساطير، الذين كانوا موجودين في 2026".
وتابع النمري: "مستويات الحماس دائماً كبيرة، والاهتمام بالرالي، والثقافة والوعي عند الشعب السعودي، كل هذه كانت من العوامل التي عزّزت نجاح الرالي"، مؤكّداً أن "مخيّم المبيت، في منطقة ينبع بالقرب من جدة، كان أكبر مخيّم في تاريخ داكار، كان مدينة متكاملة".
كما شدّد النمري على أنه "يجب أيضاً الإشادة بتنظيم المراحل الخاصة التي اختارتها اللجنة المنظمة، وحفل الافتتاح الخيالي، كما هو الحال مع حفل الختام أيضًا، كلّ ذلك لعب دوراً في نجاح هذا الرالي".
ورأى أن "كافّة المراحل جميلة، وجميعها صعبة"، موضحاً أن "ما يُميّز مراحل رالي داكار هي أن التحديات تختلف من مرحلةٍ لأخرى. من مرحلةٍ تتطلّب التمتّع بسرعة عالية، لأخرى تتطلب الذكاء والانتباه إلى عدم ارتكاب أخطاء ملاحية"، مُعبتراً أن "لكلّ مرحلة تحديات فريدة من نوعها ولا يمكن اعتبار مرحلة أصعب من الأخرى".
مُسلّطًا الضوء في حديثه على فائز رالي داكار 2026، ناصر العطية، الذي تُوّج للمرة السادسة في مسيرته بطلاً للرالي، قال النمري إن "ناصر صالح العطية أسطورة حتى قبل فوزه برالي داكار للمرّة السادسة، هو من السائقين الذين نفتخر بهم ونرفع رأسنا بهم وهو أهمّ وأنجح سائق عربي في الرياضة الميكانيكيّة".
وأشار إلى أن "قيادته ناضجة، وهو واعي وذكي ولا يتهوّر"، مُضيفاً أنه "كان يعرف كيف يقتنص الفوز بذكاء أكثر من اعتماده على السرعة، وهو ما صنع الفارق في 2026، حيث شكّك العديد بانتقاله إلى "داشيا" (Dacia)، وما الذي سيتمكّن من القيام به، لكنه أسكت الجميع وفاز للمرّة السادسة في تاريخه ليصبح ثاني أنجح سائق في تاريخ داكار في فئة السيارات".
كما لفت إلى أن "ناصر عادل الرقم القياسي لستيفان بيترهانسل عندما سجّل التوقيت الأسرع في مرحلة خاصة للمرة الخمسين في مسيرته".
وأردف النمري أن "كافّة هذه الإنجازات تؤكد أنه سائق خارق، وأعتقد أنّها مسألة وقت قبل أن يصبح هو مستر داكار، لأنه في قمة مستواه، العمر معه، حتى وإن كان في الخمسينيات من عمره لكنه لم يفقد سرعته وموهبته، وهو يشارك على الدوام".
وكشف عن أنّ "كافة المصانع بدأت تتهافت للحصول على خدماته، هو يشارك ضمن صفوف "داشيا" (Dacia)، ولكن مصانع عدّة تسعى لاستقدامه والاستفادة من خبرته لأنه هو الذي يصنع الفارق".
وصوّب النمري سهامه على أهميّة الملاح في رالي داكار ودوره المحوري في قيادة الفريق نحو الفوز، مؤكّداً أن "رالي داكار لا يعتمد فقط على القيادة، حتى ناصر العطية ذكر أن السبب الأساسي في فوزه هو الملاح فابيان لوركوان".
كذلك، شدّد على أن "الرالي يتطلب دقّة عالية في الملاحة"، مفيداً بأن "أكثر من متسابق تاهوا في الصحراء وخسروا وقت، حتى ناصر، لكن بالمراحل الحاسمة كان ملاحه يعرف كيفيّة التوجه إلى الطريق الصحيح لإيصاله إلى بر الأمان".
وتوجّه النمري في حديثه إلى الأشخاص الذين لم يسبق لهم متابعة رالي داكار، قائلاً: "رالي داكار هو حكاية، هو أهمّ وأصعب وأقسى رالي على مستوى العالم، وقام بتأسيسه شخص مغامر اسمه تيري سابين، دفع حياته ثمناً لهذا الرالي خلال متابعته له في الـ 1986 عندما تحطمت مروحيّته".
أضاف: "الرالي هذا هو رحلة إلى المجهول، رحلة إلى القارة السمراء، تحدّي الإنسان مع الآلة مع النفس. كان في السابق أطول ممّا هو الحال عليه في يومنا الحالي، موضحاً أنه "لا تزال الروح ذاتها في داكار، وهناك أهداف سامية أبرزها فئة "أم 1000" (M1000) التي تسعى إلى التوعية بأهمية استخدام تقنيّات مُستدامة في التسابق. ولكن داكار مغامرة استثنائية".
وختم النمري بالقول: "من أسباب نجاح رالي داكار، هو أنه يُقام في فترة آخر وأوّل السنة، حيث لا وجود لأحداث رياضية في تلك الفترة. إنه تحدّي فريد ومُغامرة شيقة ومن أطول الأحداث الرياضية على مستوى العالم، حيث يستمرّ لأكثر من أسبوعين".
يظلّ رالي داكار 2026 تحفة التحدّي والإصرار، حيث تتلاقى إرادة الإنسان مع قسوة الصحراء، وتُكتب أساطير جديدة على الرمال. فقد أثبت هذا الحدث مرّة أخرى أن البطولة لا تُقاس بالسرعة فقط، بل بالإصرار والتخطيط والانسجام بين السائق والملاح.
ومع فوز ناصر العطية للمرّة السادسة، يُرسّخ مكانته كأسطورة رياضة السيارات العربية، ويرفع اسم العالم العربي عالياً على الساحة الدولية.