لم تكن جلسات مناقشة مشروع موازنة 2026 المستمرة لليوم الثالث في مجلس النواب مناسبة تقنية بحتة، بل تحولت إلى مرآة للأزمة البنيوية التي يعيشها لبنان.
فالموازنة، التي يفترض أن تكون أداة لتصحيح المسار المالي والإقتصادي، ظهرت كوثيقة محمّلة بالتناقضات، عاجزة عن تقديم رؤية إصلاحية متكاملة، ومثقلة بسجالات سياسية تتجاوز مضمونها.
وكشفت المداخلات النيابية عن أن المشروع لم يضع خطة شاملة لمعالجة الانهيار المالي أو لإعادة هيكلة القطاع العام، ما يعكس أن الموازنة تركز على الترتيبات الأولية والإجراءات الأساسية أكثر من كونها خطة إصلاحية كاملة، وتظهر أنها خطوة أولية ضمن جهود أكبر لمعالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية في لبنان.
وبدلاً من التركيز على الإصلاحات، تحولت الجلسات إلى ساحة مواجهة حول ملفات كبرى: سلاح حزب الله، العلاقة مع صندوق النقد الدولي، وحقوق الموظفين والمتقاعدين، ما أظهر أن البرلمان عاجز عن الفصل بين النقاش المالي والسياسي، وأن الموازنة باتت ذريعة لفتح ملفات الإنقسام الوطني.
وفي الصورة الأبرز على مدى الحاجة للإصلاح، فإن مشهد الاعتصامات أمام البرلمان، خصوصاً من العسكريين المتقاعدين وروابط القطاع العام، عكس الفجوة العميقة بين السلطة والمجتمع، وأكد أن أي موازنة لا تراعي العدالة الإجتماعية ستبقى حبراً على ورق.
إلاّ أن اللافت في مداخلات النواب في اليوم الثالث لمناقشة الموازنة، كان الإشارة إلى الحاجة لاتفاق مع صندوق النقد الدولي، حيث أظهرت المواقف المتباينة بين الكتل، أن لبنان لم يحسم بعد خياراته الإقتصادية، وأنه يراوح بين رفض الإلتزامات الدولية والخوف من فقدان الدعم المالي، وهو ما يدل على أن النقاش لم ينتج توافقاً ولا رؤية إصلاحية، بل أكد أن البرلمان اللبناني لا يزال أسير الإنقسام، وأن الموازنة ليست سوى انعكاس لأزمة النظام السياسي والإقتصادي، في الوقت الذي يواجه فيه اللبنانيون يومياً تداعيات الإنهيار من دون أي حلول في الأفق، علماً أن العنوان الاول للإنهيار هو الأمر الواقع القائم بالسلاح والذي يمنع قيام الدولة القادرة على تقديم الحلول.