أطلقت وزارة العدل، بالشراكة مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة ("اليونيسف") وبدعم من الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون، برنامج تدريبي بعنوان "الاستجابة لحالات الأطفال في الطبّ الشرعي" الذي يهدف إلى تعزيز قدرة منظومة العدالة على تقديم استجابة قضائية وطبّية متخصصة وآمنة تحمي حقوق الأطفال وتضع مصلحتهم الفضلى في صميم جميع الاجراءات.
ويستند البرنامج إلى مناقشات معمّقة تمّت العام 2022 حول واقع الممارسات الطبية الشرعية، والتي أظهرت وجود فجوات حاسمة وضرورة ملحّة لتعزيز القدرات المؤسسية والفنية في التعامل مع القضايا التي تتعلق بالأطفال ضمن منظومة العدالة. وبناءاً على ذلك، تمّ تطوير هذا البرنامج بالتعاون بين مصلحة الطب الشرعي في وزارة العدل، وقضاة وأطباء شرعيين، واليونيسف، وخبراء دوليين من معهد الطب الشرعي في جامعة بازل، بهدف مواءمة الممارسات الوطنية مع المعايير الدولية لحقوق الطفل لضمان حماية جميع الأطفال، سواء كانوا مخالفين للقانون، أو معرضين للخطر، أو ضحايا جرائم، أو شهوداً عليها.
وقال وزير العدل عادل نصّار: "الجرائم الواقعة على الأشخاص لم تتغيّر كثيراً منذ فجر التاريخ، لكن وسائل ارتكاب الجريمة تطوّرت، وبالتالي فإن وسائل كشفها وحلّ التحقيقات يجب أن تتطوّر هي الأخرى. وعلى العدالة أن تدافع وتحمي، بدءاً من الأضعف. أولئك الذين لا يصل صوتهم، والذين قد تعرّضهم الوحشية لأسوأ الانتهاكات." أضاف: "نحن اليوم هنا، بالغون نناقش قضايا تتعلّق بالأطفال. وهنا يستحضرني قول للكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، حين قال "يتعيّن علينا أن نذكّر أنفسنا بأن جميع الكبار كانوا أطفالاً ذات يوم، لكن القليل منهم يتذكّر ذلك. لذلك، حين نعالج ملفاً يمس الأطفال، يجب أن نستحضر الطفل الكامن في داخل كلٍّ منا." وعن أهمّية ‘طلاق هذا البرنامج قال : "اليوم، يلتقي القانون بالطبّ في خدمة مصلحة الأطفال الفضلى. فمن دون نظام طبّ شرعي متكامل ومتخصّص، ومن دون شراكة فعّالة وبنّاءة بين القضاة والأطباء، ستظل العدالة تكافح للوصول إلى الحقيقة، وسيواجه لبنان بشكل متزايد حالات إخفاق قضائي وجرائم مجهولة، ولا سيّما تلك التي يكون الأطفال ضحاياها، وهم في كثير من الأحيان ضحايا صامتون للرعب والألم" وختم شاكراً: "نعبّر عن إمتنانا العميق لمنظمة اليونيسف إذ شكّل تواصلها معنا ودعمها ركيزة أساسية في تعزيز الطبّ الشرعي ضمن مسار تحقيق منظومة عدالة الأطفال في لبنان".
ويأتي إطلاق البرنامج استكمالاً للشراكة الطويلة بين وزارة العدل و"اليونيسف" منذ العام 2018 لتعزيز منظومة عدالة الأطفال في لبنان، من خلال تطوير السياسات، وبناء القدرات، وإصلاح الأطر القانونية. وتهدف هذه الجهود إلى ضمان احترام حقوق الأطفال في الحماية والكرامة، والمعاملة العادلة قبل وأثناء وبعد أي احتكاك مع منظومة العدالة، بما يتوافق مع الالتزامات الوطنية والدولية للبنان.
قالت سفيرة سويسرا في لبنان ماريون فايخلت: "لا يقتصر إطلاق اليوم على دليل أو تدريب فحسب، بل يشكّل خطوة داعمة للجهود الهادفة إلى تعزيز نظام عدالة يستجيب لاحتياجات الأطفال. وتؤكّد سويسرا التزامها الراسخ بمواصلة التعاون مع الحكومة اللبنانية، ووزارة العدل وسائر الوزارات المعنية، ومع منظمة الأمم المتحدة للطفولة ("اليونيسف")، وجميع الشركاء الوطنيين والدوليين". وختمت قائلة: "معًا، نعمل على تعزيز نظام عدالة يكرّس حقوق الأطفال ويضمن حمايتهم".
وقال ممثّل "اليونيسف" في لبنان، ماركو لويجي كورسي: "عندما يتعامل الأطفال مع منظومة العدالة، خصوصاً في ظروف صعبة، يجب أن تكون حمايتهم وكرامتهم على رأس الأولويات". أضاف: "يضمن هذا البرنامج مراعاة احتياجات الأطفال وحقوقهم في كل مرحلة، ويضع مصلحتهم الفضلى في صميم العمل الطبي الشرعي. ومن خلال تعزيز قدرات جميع الجهات المعنية وتوحيد الإجراءات، نعمل على حماية الأطفال من أي أذى إضافي وضمان وصولهم إلى العدالة بطريقة آمنة وعادلة ومبنية على الاحترام."
ويتضمن البرنامج تطوير دليل تدريبي للفحوصات الطبية الشرعية المتعلقة بالأطفال، بالإضافة إلى تنفيذ تدريب مكثف لمدة ستة أيام يشمل 125 قاضياً و40 طبيباً شرعياً لتعزيز الكفاءات الفنية في الفحوصات الحساسة للأطفال، وتوثيق الأدلة الطبية ذات الطابع القانوني بجودة عالية، وتفسير النتائج الطبية القانونية، وتطبيقها بشكل فعال ضمن الإجراءات القضائية. ويعتمد التدريب على المعايير الدولية لحقوق الطفل، مع التركيز على تيسير الوصول إلى العدالة، ومنع الصدمات الثانوية، وتعزيز حماية جميع الأطفال، لضمان منظومة عدالة تضع حقوق الأطفال ومصلحتهم الفضلى في المقام الأول.