في ظلّ السجال السياسي المتصاعد حول ملف السدود والطاقة، عاد هذا الملف إلى واجهة النقاش النيابي خلال جلسة مناقشة الموازنة، بعدما شنّت النائبة ندى البستاني هجومًا على وزير الطاقة والمياه جو الصدي، في محاولة لإعادة فتح ملفات تعود بمعظمها إلى سنوات طويلة من الإدارة السابقة للوزارة. غير أنّ هذا الهجوم قوبل بردّ علمي وتقني من رئيس جمعية "الأرض – لبنان" بول أبي راشد، الذي وضع النقاط على الحروف، كاشفًا حجم المخالفات والهدر الذي رافق مشاريع السدود، ومشدّدًا على أنّ من يدافع اليوم عن هذه المشاريع هو نفسه من يتحمّل مسؤولية فشلها.
في السياق، أشار أبي راشد، في حديث لموقع LebTalks، ردًا على النائبة ندى البستاني خلال جلسة مناقشة الموازنة، والتي هاجمت فيها وزير الطاقة والمياه جو الصدي، إلى أنّ هذا الملف "بدل أن يفتحوه، كان الأجدى بهم أن يخجلوا"، معتبرًا أنّ موضوع السدود "يدينهم بالدرجة الأولى".
وأوضح أبي راشد أنّ سد بقعاتا كان من المفترض أن يُنجز خلال أربع سنوات في عهدهم، إلا أنّه مرّ عليه أكثر من عشر سنوات ولم يُستكمل، رغم كونه من أصغر السدود في لبنان.
وتابع: "كيف يجرؤون على فتح ملف السدود وهم خالفوا القانون، إذ كان يفترض إجراء دراسة تقييم أثر بيئي قبل البدء بأي مشروع، للتأكد من ملاءمة الأرض، على أن تُقرّ من وزارة البيئة، ثم يبدأ العمل. لكن في سد بلعا وسد جنّة، بدأوا الأشغال أولًا، وبعد سنوات، ولرفع المسؤولية عن أنفسهم، لجأوا إلى إجراء دراسات الأثر البيئي".
أضاف أنّ العمل في سد جنّة امتد تقريبًا من عام 2013 حتى 2019–2020، "ومن دون أن يتمكنوا من رفع منسوب السد مترًا واحدًا، بسبب طبيعة الأرض الصعبة وكثرة المشاكل الجيولوجية"، معتبرًا أنّ من يتابع تصريحات بعض النواب حول السدود "يكتشف فورًا أنهم غير مختصين لا بالهندسة ولا بالجيولوجيا ولا بالهيدروجيولوجيا"، مضيفًا المثل اللبناني: "الضرب بالميت حرام"، في إشارة إلى أنّ هذه السدود "ميّتة تقنيًا ولا جدوى منها".
وأشاد أبي راشد بدور وزير الطاقة والمياه جو الصدي، قائلًا: "للمرة الأولى كجمعية بيئية أطلب موعدًا من وزير طاقة فيستقبلني".
وكشف عن أنّ اللقاء تناول ملف السدود، مشيرًا إلى أنّ الجمعيات البيئية "لم تكن تجد آذانًا صاغية في الوزارة طوال 15 سنة"، أضاف: "الصدي استمع إلينا، وتحدث معنا باحترام وبمنطق علمي وقانوني، وقال إنه يريد إخراج هذا الملف من التجاذب الشعبوي، وسيستعين بخبراء مستقلين لتقييم ما إذا كانت هذه السدود ميتة أم لا تزال قابلة للحياة، وهل يمكن إنقاذها أم لا".
ولفت إلى أنّ الصدي يعتمد مقاربة علمية بحتة، قائلًا: "إذا كان سد كلف 60 مليون دولار ويحتاج إلى 60 مليون إضافية، بينما يمكن إيجاد حل بديل بعشرة ملايين، فمن الطبيعي أن يُعاد النظر بالمشروع".
وأكد أنّ وزير الطاقة "لا يريد الخضوع للضغوط السياسية أو الشعبوية"، مشددًا على أنّ أي قرار يجب أن يستند إلى دراسات علمية واضحة، وليس إلى شعارات تُطلق في البرلمان.
وفي ما يتعلق بسد المسيلحة، حذّر أبي راشد من وجود مشكلة جيولوجية خطيرة، موضحًا أنّ "المياه تتسرّب سنويًا في الشتاء بسبب وجود كسر أرضي كبير، وهذا الكسر لا يمكن ترميمه تقنيًا"، متسائلًا عن جدوى تخزين المياه في سد لا يحتفظ بها أصلًا لتُستخدم في فصل الصيف.
في الخلاصة، يسجَّل لوزير الطاقة والمياه جو الصدي أنّه يعمل بهدوء وبمنطق علمي ومسؤول، بعيدًا عن الشعبوية والاستعراض، واضعًا نصب عينيه مصلحة الدولة لا الحسابات السياسية. فبدل إطلاق الوعود الوهمية، اختار الصدي طريق التقييم الجدي والشفافية، مستعينًا بخبراء مستقلين، ومقاربًا الملفات الثقيلة بعقل الدولة لا بعقل الحملات. وهذا ما يزعج أهل الفشل، لأن الإصلاح الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج، بل إلى عمل فعلي يكشف حجم الخراب الذي تركوه خلفهم.