إرتفاع الأقساط في المدارس الخاصّة، لم يعُد مجرّد رقمٍ على "فاتورة التعليم"، بل أصبح أزمة حقيقيّة تُهدّد قدرة الأُسر اللبنانية على تأمين حقّ أبنائها في التعلُّم. فبعد بداية العام الدراسي 2025 – 2026 في أيلول، فوجئ الكثير من الأهالي بزيادات جديدة في الأقساط، خصوصاً بعد فترة الأعياد (أي في كانون الثاني 2026). فهل هذه الزيادة طبيعية في هذا التوقيت؟ ما هو معدل الأقساط في المدارس الكاثوليكية الخاصة؟ ومن هو المستفيد الأساسي من هذه الزيادات؟
في هذا السياق، شدّد الأمين العام للمدارس الكاثوليكيّة الأب يوسف نصر على أنّ "السبب الأساسيّ لرفع الأقساط هو تصحيح رواتب وأجور المعلّمين"، قائلاً: "المعلّمون هم المستفيدون الرئيسيّون من هذه الزيادات". واعتبر الأب نصر، في حديثٍ خاصّ إلى موقع LebTalks، أنّ "هذا الأمر محسوم ولا يقبل الجدل"، موضحاً أنّ "رواتب المعلّمين كانت قد بلغت عام 2021 مستويات متدنّية جدّاً، تراوحت بين 30 و40 دولاراً، ما دفع المدارس إلى اعتماد سياسة تصاعديّة وتدريجيّة لتصحيح الأجور".
وأشار إلى أنّ "هذه السياسة بدأت بمبالغ مقطوعة، ثمّ تضاعفت تدريجيّاً، وصولاً إلى نسب 35% ثمّ 56%، فيما تتراوح المعدّلات العامّة اليوم بين 70 و75%، مع تفاوت بين المدارس، إذ لا تزال بعض المدارس عند حدود 50%، في حين تجاوزت أخرى نسبة 75% لتصل إلى 80 و90%". ورأى أنّ "تطبيق القوانين 2 و5 و12 لعام 2025 أسهم أيضاً في ارتفاع الكلفة، بعدما ألزمت المدارس بالتصريح عن الرواتب كاملة، بالليرة اللبنانيّة وبالدولار الأميركي، ودفع الاشتراكات المتوجّبة عنها لصندوق التعويضات والضمان الاجتماعي والجهات المختصّة".
الإطار القانوني للأقساط
وعلى الصعيد القانوني، أكّد نصر أنّ "الأقساط المدرسيّة في المدارس الخاصّة لا تصبح قانونيّة إلّا بعد إقرار الموازنات من قبل لجان الأهل وتوقيعها وإرسالها إلى مصلحة التعليم الخاص قبل 31 كانون الثاني"، معتبراً أنّ "أي قسط غير موقّع يبقى غير نافذ قانوناً". وأفاد بأنّ "الإعلان المسبق عن الأقساط يُعدّ ترقّبيّاً وغير رسميّ، وقد يُثير اعتراض لجان الأهل لتعدّيه على صلاحيّاتها. وأوضح أنّ القانون 515 يمنح مصلحة التعليم الخاص دوراً توفيقيّاً في حال الخلاف، على أن يُحال النزاع إلى المجالس التحكيميّة التربويّة إذا تعذّر التوصّل إلى اتّفاق".
معدّلات الأقساط
لفت الأب نصر إلى أنّ "نحو 60 إلى 65% من المدارس الكاثوليكيّة تتراوح أقساطها بين ألف وألفي دولار"، معلناً "وجود نحو 90 مدرسة غير مجانيّة يبلغ معدّل أقساطها حوالى ألف دولار". وقال إنّ "المدارس الموجودة في بيئات متوسّطة تميل إلى الفقر تعتمد أقساطاً تقارب ألفي دولار، فيما تصل الأقساط في البيئات ذات المستوى الاقتصادي والاجتماعي المرتفع إلى نحو ثلاثة آلاف دولار. المدارس التي تتخطّى أقساطها أربعة آلاف دولار لا تتجاوز 10% من مجموع نحو 350 مدرسة كاثوليكيّة".
رسالة إلى الأهالي
وفي موازاة هذه الأرقام، توجّه إلى الأهالي قائلاً: "نحن نتفهّم تماماً وضعكم، وندرك وجود فجوة لدى شريحة من المجتمع اللبناني بين ما هو مطلوب منها دفعه وبين قدراتها الفعلية. فهناك فئة استطاعت التكيّف مع الأزمة وتحسنت مداخيلها، ولم تعُد تواجه صعوبة كبيرة في تسديد الأقساط بالدولار، في مقابل فئة أخرى، ولا سيّما موظّفي القطاع العام وأصحاب الأعمال الحرّة البسيطة، تُعاني من ضيق كبير في الإمكانات. ولهذا، فإنّ المدارس الموجودة في هذه البيئات تعتمد أقساطاً متواضعة نسبيًا، غالباً بين ألف وألفي دولار كحدّ أقصى، إضافة إلى اعتماد سياسات تفهّمية، وتفعيل المكاتب الاجتماعية، والاستفادة من الدعم والمساعدات قدر الإمكان لاستيعاب الحالات غير القادرة، ضمن حدود إمكانات كلّ مدرسة".
وختم نصر بتأكيد أنّ "أي زيادة في الأقساط يجب أن تكون علميّة ومنطقيّة، ومبنيّة على أرقام وحاجات فعليّة، وأن تُناقش مع الأهل وتُقرّ بالتوافق بين إدارة المدرسة ولجنة الأهل، على أن تنعكس هذه الزيادات حكماً على رواتب وأجور المعلّمين".
في النهاية، يبقى التحدّي الأكبر حماية حقّ الأطفال في التعليم، من دون أن تتحوّل الأقساط إلى عبء مالي يثقل كاهل الأهل.