انطلاقاً من كواليس الاجتماعات الضيقة لحزب الله والتسريبات، بات كل شيء واضحاَ لأنّ السجالات بين نواب ومسؤولي الحزب أصبحت صراخاً وخلافات على القرارات المتخذة، وتباينات في الرأي بين مَن يؤيّد سياسة الصقور، ومَن يكتفي بسياسة الحمائم بعد الانقلاب الكبير الذي أوقع الحزب تحت سابع أرض، أي بين الواقعيين والحالمين بشعارات الماضي، الذين لم يتقبّلوا بعد عدم امتلاك الامين العام للحزب نعيم قاسم للكاريزما المطلوبة، لإعادة بناء القيادة من جديد، ولم يفهموا بعد أنّ الأخير أتى من دروب طهران ليترّبع على عرش حارة حريك، وينفذ المطلوب منه بكل دقة، وفق سياسة إيرانية لم يعد لها أي نفوذ في المنطقة بعد انحلال أذرعها العسكرية، وبعد كل الذي جرى من نكبات في لبنان وغزّة وسوريا وخصوصاً سقوط نظام الأسد.
هذا الانقسام تحوّل الى جناحين في الحزب، جناح الحمائم نوعاَ ما، الذي يقوده قاسم الملتزم باتفاق وقف إطلاق النار، والذي أيد دخول الحزب الى حكومة نواف سلام، أي تأرجح خطابه بين الإيجابية والسلبية، وقوله مراراً "إنّ المقاومة تتنحّى لمصلحة الدولة وعلى الدولة أن تتولّى المسؤولية". وهذا يعني التراجع في اللهجة العسكرية، وكأنّه يحاول اللعب على الحبلَين للحفاظ على البيئة الشيعية، التي باتت بدورها منقسمةً وفي العلن، خصوصاً البيئة النازحة من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، التي فقدت أملاكها ومنازلها وخسرت كل شيء من دون أن يُراعيها أحد.
اما الجناح الثاني فيترأسه مسؤول وحدة التنسيق والارتباط سابقاً وفيق صفا، الذي بات خارج حارة حريك تحت مقولة "الإستقالة"، في حين انهم طلبوا منه تقديمها لانّ الحزب لم يعد يملك اي غطاء سياسي له، إنطلاقاً من إستقطاب صفا لمعارضي قاسم من خلال الشعبوية والصوت العالي والمسرحيات البهلوانية، مع نائب رئيس المجلس السياسي للحزب محمود قماطي، الذي يعيش ايضاً على شعار وحدة الإسناد لغاية اليوم، كما يكثر مؤيّدو صفا على مواقع التواصل الاجتماعي، فيُطلقون "العنتريات" الى الداخل اللبناني فقط ويتناسون إسرائيل وتهديداتها اليومية.
الى ذلك باتت الجماعات المعارضة داخل الحزب تهدّد وحدته في هذه الظروف الدقيقة والخطيرة، وقد دخل وسطاء على الخط بصورة خفية لِلّم الشمل، لكنّ محاولاتهم باءت بالفشل ما ساهم في إضعافه أكثر فأكثر، بحيث يغيب ذلك التجانس بين مَن يوالي إيران بالمطلق، ومَن يدعو الى تقبّل الواقع الجديد للحزب.
ومن الخطوات الداخلية المتخذة اخيراً، تقديم الحزب أحد ابرز صقوره وفيق صفا على طبق من ذهب كخطوة إنفتاحية في إتجاه الاميركيين، وهو المُدرج على لائحة عقوباتهم، وتعيين حسين عبدالله مسؤول وحدة الارتباط في الجنوب، والخطوة هذه ليست وليدة اليوم بل بدأت منذ فترة بتقليص صلاحياته شيئاً فشيئاً، وهو فهمَ اللعبة وحاول الإعتراض عليها لكنه خرج خاسراً وبقوة بعد عقود من "الاستعراضات"، فيما حاول حزب الله ضبط الرواية بتلفيق اكذوبة لا تنطلي على أحد، مفادها انّ إستبدال صفا سببه إعادة هيكلة الحزب، التي ستكون بالشكل والمضمون وعلى مراحل عدة.
اما الواقع فيشير الى إستبدال لهجة الحزب من الان فصاعداً بنبرة الحمائم، لانّ حزب الله القديم إنتهى وهنالك إنطلاقة سياسية جديدة ستظهر ولو بعد حين.