بعد مقتل هدى شعراوي.. ما واقع العمالة المنزلية في لبنان؟

WhatsApp Image 2026-02-07 at 12.15.04

أعاد مقتل الممثلة السورية هدى شعراوي في منزلها بدمشق، بعد الاشتباه بقيام خادمتها بارتكاب الجريمة، فتح ملف شائك وحساس يتجاوز تفاصيل الحادثة نفسها، ليصل إلى واقع العمالة المنزلية الأجنبية في المنطقة، وخصوصاً في لبنان، حيث تعمل آلاف النساء الآسيويات في ظروف اجتماعية وقانونية معقدة، غالباً ما تكون بعيدة من أي حماية فعلية.

القضية الأخيرة، التي شغلت الرأي العام وأثارت موجة من التعليقات والانفعالات على وسائل التواصل الاجتماعي، لم تُقرأ فقط كجريمة فردية، بل كجرس إنذار يعكس خللاً عميقاً في علاقة العمل داخل المنازل، وفي غياب الأطر التي تضمن حقوق الطرفين وتمنع تحوّل التوتر اليومي إلى عنف مأساوي.

في لبنان، يشكّل نظام الكفالة الإطار الناظم لعمل الخادمات الأجنبيات، وهو نظام يربط الإقامة القانونية للعاملات بربّ العمل، ما يضعهن في موقع هشّ. فالعاملة المنزلية لا تستطيع تغيير عملها أو مغادرة البلاد إلا بموافقة الكفيل، كما أنها مستثناة من قانون العمل اللبناني، الأمر الذي يحرمها من حقوق أساسية مثل تحديد ساعات العمل، والحد الأدنى للأجور، والتغطية الاجتماعية، وآليات الشكوى الفعالة.

تعمل آلاف النساء القادمات من دول آسيوية وإفريقية في المنازل اللبنانية، ويقمن بمهام شاقة تشمل التنظيف والرعاية والعمل لساعات طويلة. وتشير منظمات حقوقية إلى أن "عدداً منهن يتعرّض لسوء معاملة نفسية أو جسدية، أو لحجز جوازات السفر، أو لتأخير الأجور، ما يراكم شعوراً بالقهر والعزلة قد ينفجر في لحظات قصوى".

وفي هذا السياق، يوضح أحد أصحاب مكاتب استقدام العمالة المنزلية في بيروت أن "غياب التدريب النفسي والاجتماعي لكل من العاملة وربّ العمل يشكّل ثغرة خطيرة. فالعلاقة داخل المنزل ليست علاقة عمل تقليدية، بل علاقة معيشية يومية تحتاج إلى وعي وحدود واضحة، وهو ما لا يتم الالتفات إليه غالباً".

من الناحية القانونية، تؤكد المحامية نيرمين الحلبي أن "الجرائم التي قد ترتكبها العاملات المنزليات، وعلى رأسها القتل، تُصنَّف كأي جريمة جزائية أخرى". وتقول: "القتل العمد يُعاقَب عليه بأشد العقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات اللبناني، وقد تصل إلى السجن المؤبد. ولا يُنظر إلى جنسية الفاعل أو وضعه الاجتماعي، بل إلى الفعل الجرمي نفسه وظروف ارتكابه”. وتضيف أن في المقابل، فإن "أي اعتداء أو تعذيب أو احتجاز تتعرّض له العاملة يُعد جريمة يعاقب عليها القانون أيضاً".

وتشير الحلبي إلى أن "المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في وقوع الجرائم، بل في الوقاية منها، عبر إصلاح نظام الكفالة، وإخضاع العمالة المنزلية لقانون العمل، وتأمين آليات رقابة وتدخل مبكر قبل تفاقم النزاعات".

في المحصّلة، تطرح هذه الجريمة أسئلة جدّية حول طبيعة العلاقة بين أرباب العمل والعمالة المنزلية، وحول مدى فاعلية الأطر القانونية القائمة في ضبط هذه العلاقة ومنع انزلاقها إلى مسارات خطيرة. فالحادثة، رغم خصوصيتها، تسلّط الضوء على ثغرات بنيوية تستدعي نقاشاً مسؤولاً يتجاوز الانفعالات اللحظية، ويذهب نحو معالجة الأسباب لا الاكتفاء بنتائجها

كما أن تعزيز الوعي الإعلامي يلعب دوراً محورياً في تفكيك الصور النمطية التي تُلصق بالخادمات الأجنبيات، وتقديم مقاربة متوازنة لا تبرّر الجريمة ولا تتجاهل جذورها. فالمعالجة المسؤولة تُسهم في دفع النقاش نحو حلول واقعية، تشريعية وإنسانية، تضمن العدالة وتحفظ الأمن الاجتماعي، وتمنع استغلال المآسي الفردية لإثارة الذعر أو التحريض، بل لتحويلها إلى فرصة إصلاح حقيقية.

وهذا يتطلّب تعاون الدولة، والقضاء، والمجتمع المدني، والإعلام، وأرباب العمل، لضمان بيئة أكثر إنصافاً، واستقراراً، واحتراماً للحقوق، والواجبات، والإنسان. إضافة إلى تحديث القوانين ومتابعة التنفيذ بصرامة وشفافية كاملة.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: