نادين بركات: سوروس رمزًا لرأس المال العابر للحدود

nadine-qqig1v4hjjoh4qyeoe03vh60mig0vrp87391d3uo0w

نشرت نادين بركات عبر "إكس" التالي: "في عالمٍ تحكمه الأسواق قبل الدساتير، تتقاطع الأسماء كما تتقاطع التيارات البحرية.

يظهر جورج سوروس في المخيال العام رمزًا لرأس المال العابر للحدود، لا بوصفه شخصًا بقدر ما هو فكرة: فكرة أن المال يستطيع أن يسبق السياسة ويعيد رسمها.

وبجواره، تقف مجموعة روتشايلد كأرشيفٍ طويل للمال الأوروبي، اسمٌ صار مرادفًا للنفوذ الهادئ، لا الصاخب.

في لبنان، حيث تنهار الدولة وتبقى الشبكات، لا تحتاج السيطرة إلى جيوش. يكفي أن تُدار المفاتيح.

القطاع المصرفي مفتاح.

الغاز مفتاح.

المرافئ مفتاح.

من البحر، تطل CMA CGM كصورة عن لوجستيات العصر: سفن، عقود، مرافئ، وسلاسل توريد. ليست سياسة، لكنها أقوى من السياسة حين تغيب الدولة.

ومن قلب النظام المالي، يُستدعى اسم كريم سعيد كرمز للمرحلة التي يُدار فيها الانهيار أكثر مما يُعالج.

أما الساحة الداخلية، فهي مسرح تتعدد فيه الأقنعة.

حركات وأحزاب متخاصمة في الخطاب، متجاورة في النتائج.

من كلنا إرادة بشعار الإصلاح،

إلى التيار الوطني الحر بخطاب الحقوق،

إلى حركة أمل بمنطق التوازنات،

تتوزع الأدوار، ويبقى المسار واحدًا: إدارة الأزمة لا كسرها.

تدخل الأسماء الثقيلة:

نجيب ميقاتي، رجل التسويات،

نواف سلام، لغة القانون الدولي،

سعد الحريري، إرث الدولة المؤجَّلة،

وفي الخلفية البعيدة القريبة، إيمانويل ماكرون، حيث فرنسا لا تحكم، لكنها تُذكِّر بتاريخها ونفوذها حين تشاء.

في هذا السرد، لا أحد “يتآمر” بالمعنى البوليسي.

المال لا يحتاج إلى مؤامرة، بل إلى فراغ.

والفراغ في لبنان وفير.

حين يُفلس المصرف، يُباع.

وحين تُشل الدولة، تُدار.

وحين يُكتشف الغاز، يُربط بالعقود قبل السيادة.

وهكذا، لا يُسلب البلد دفعة واحدة، بل يُعاد ترتيبه.

تحت عناوين براقة: إصلاح، شفافية، إنقاذ، إعادة هيكلة.

عناوين صحيحة في ذاتها، خطِرة حين تُفرغ من السياسة.

في النهاية، ليست الحكاية عن سوروس ولا عن روتشايلد،

ولا عن شركة شحن أو مصرف مركزي،

بل عن بلدٍ ترك مفاتيحه على الطاولة…

ثم اختلف على من سرقها.

في الرواية، لم يبدأ الأمر بانقلاب ولا بدبابات، بل بورقة قانونية.

قانونٌ كُتب بلغة الإصلاح، وحُمّل بشعارات الشفافية، لكنه كان في جوهره مفتاح الخزنة الأخيرة لدولة منهكة.

في الفصل الأول، يُدفع القطاع المصرفي إلى حافة الإفلاس الكامل. ليس عبر السرقة المباشرة، بل عبر “إعادة هيكلة” طويلة، مُرهِقة، باردة. تُمحى الرساميل، تتبخر الودائع، وتُترك المصارف كقواقع فارغة. عندها فقط يظهر “المنقذ”: صناديق دولية،

بيوت مال عابرة للحدود، مستثمرون لا يشترون البنوك… بل يشترون الترخيص، والذاكرة، وشبكة العلاقات.

في الفصل الثاني، ينتقل السرد إلى البحر.

الغاز ليس ثروة، بل ذريعة.

يُفتح ملف الاستخراج في توقيت الانهيار، حين تكون الدولة عاجزة، والقرار السيادي هشًا. تُربط الموافقات بالتمويل، والتمويل بالإصلاح، والإصلاح بتنازلات تقنية لا يفهمها إلا قلة. المرافئ تُدار “مؤقتًا”، ثم تُخصخص “اضطرارًا”، ثم تُسلَّم بعقود طويلة الأمد لا

يمكن الفكاك منها.

في الفصل الثالث، تتكامل الدائرة.

السياسة لا تُشترى دفعة واحدة، بل تُدار.

زعامات متخاصمة ظاهريًا، متفقة ضمنيًا على البقاء. كل طرف يُقنع جمهوره أنه يمنع الأسوأ، فيما الجميع يوقّع على النص نفسه بصيغ مختلفة. الإعلام في الرواية لا يكذب دائمًا، بل يُجزّئ الحقيقة، يضخّم ملفًا، ويُغرق آخر بالصمت، حتى تضيع الصورة الكاملة.

أما “الإصلاح ومكافحة الفساد”، فهما عنوان الرواية الكبير.

لا أحد يعارضهما، لذلك لا أحد يسأل:

من يُصلح؟

ولمصلحة من؟

ومن يملك أدوات الإصلاح أصلًا؟

في الفصل الأخير، لا يُحتل لبنان، بل يُدار.

لا تُرفع أعلام جديدة، بل تُغيَّر دفاتر الحساب.

الدولة تبقى قائمة شكليًا، لكن مفاتيحها موزعة:

المال في يد،

الطاقة في يد،

المرافئ في يد،

والقرار مؤجَّل دائمًا إلى “المرحلة المقبلة”.

تنتهي الرواية بجملة واحدة يهمس بها أحد الشخوص:

“أخطر احتلال… هو ذاك الذي يجعلك تظن أنك ما زلت حرًا".

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: