الجنوب يناشد سلام.. والأخير يترجم النداء ميدانياً

jnoub

تشكّل زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى جنوب لبنان محطة سياسية بالغة الدلالة، ليس فقط من حيث التوقيت، بل أيضاً لناحية الترحيب الشعبي والبلدي الواسع الذي رافقها. فقد حرصت بلديات عدة على دعوة الأهالي لاستقباله، في مشهد تجاوز الطابع البروتوكولي ليحمل رسائل سياسية واضحة عن المزاج العام في الجنوب.

الاستقبال الواسع الذي لاقاه سلام من أهالي المنطقة عكس تجاوباً لافتاً مع خطابه ومواقفه، ولا سيّما تلك المرتبطة بثوابت الدولة، وسيادتها، ودور مؤسساتها الشرعية. فالحضور الشعبي، إلى جانب المبادرات البلدية المنظمة، أظهر أن شريحة واسعة من الجنوبيين ترى في نواف سلام خياراً سياسياً يعيد الاعتبار للدولة، ويضع مصلحة لبنان فوق أي اعتبارات فئوية أو سلطوية.

وتكتسب هذه المشهدية أهمية إضافية، في ضوء أن معظم البلديات التي بادرت إلى الدعوة والاستقبال ذات طابع شيعي واسع، ما يضفي على الزيارة بعداً سياسياً خاصاً، ويعكس تفاعلًا عابراً للاصطفافات التقليدية، ورسالة واضحة بأن الخطاب السيادي ومشروع الدولة يلقى صدى داخل البيئة التي غالباً ما تُختزل سياسياً بخيارات أحادية.

وفي قراءة سياسية لهذه الزيارة، يرى متابعون أن هذا التفاعل الإيجابي يعكس تحولًا تدريجيًا في المزاج الجنوبي، حيث يتزايد الطلب على خطاب واضح وصريح يؤكد حصرية القرار الأمني والعسكري بيد الدولة، وعلى مشروع سياسي يعيد وصل الجنوب بمؤسسات الدولة بدل إبقائه ساحة مفتوحة للتجاذبات.

كما أن دعوات البلديات واستقبالها لرئيس الحكومة تحمل بُعدًا إضافيًا، إذ تعبّر عن تلاقي بين المستوى المحلي وخيارات الدولة المركزية، وعن رغبة واضحة لدى السلطات البلدية في العمل ضمن منطق الدولة والقانون، بعيدًا من أي واقع مفروض بقوة الأمر الواقع.

هذه الزيارة تأتي ضمن خطة حكومية واضحة وضعها سلام، هدفها تثبيت دور الدولة ومؤسساتها واستعادة هيبتها بعد سنوات من التهميش والشلل. وهي خطوة محسوبة بدقة في توقيتها، وذكية في رسائلها ونتائجها، تؤكد أن مسار بناء الدولة لا يُدار بالشعارات ولا بردّات الفعل، بل بقرارات متقدمة تُراكم النفوذ الشرعي وتُضعف منطق الأمر الواقع، خطوة بعد خطوة.

زيارة سلام إلى الجنوب ليست زيارة عابرة، بل بدت كرسالة سياسية مزدوجة، رسالة إلى الداخل، مفادها أن الجنوب ليس خارج الدولة ولا خارج النقاش السيادي، ورسالة إلى الخارج، بأن هناك شريحة واسعة من اللبنانيين، في الجنوب تحديدًا، تؤمن بمشروع الدولة وتدعمه.

ولا يمكن فصل هذا المشهد عن السياق الأوسع الذي يمرّ به لبنان، حيث يعيش الجنوب منذ سنوات تحت وطأة أزمات مركّبة، من تهميش إنمائي إلى ضغوط أمنية وسياسية. من هنا، بدت زيارة رئيس الحكومة بمثابة إشارة إلى عودة الدولة بوجهها السياسي والمؤسساتي إلى منطقة لطالما كانت في صلب التحديات الوطنية.

ويكتسب هذا المشهد أهمية مضاعفة في ظل الانقسام الحاد الذي يطبع الساحة اللبنانية، إذ يقدّم الجنوب، من خلال هذه الزيارة، نموذجاً عن إمكانية التلاقي حول ثوابت وطنية جامعة، بعيداً من منطق الاصطفاف القسري أو احتكار التمثيل السياسي، إذ تسعى الدولة اليوم إلى استعادة أبنائها الذين خرجوا عن إطارها الشرعي، وشكّلوا دويلة داخل الدولة. وهذه العملية، بحكم تعقيداتها السياسية والأمنية والاجتماعية، لا يمكن أن تتم بين ليلة وضحاها، بل تحتاج إلى وقت، وتراكم في القرارات، وثبات في المسار، حتى تعود السلطة الواحدة، والقرار الواحد، إلى كنف الدولة ومؤسساتها.

من هنا، لا يمكن النظر إلى زيارة سلام على أنها محطة عابرة أو بروتوكولية، بل كحدث سياسي يحمل مؤشرات على إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والجنوب، وعلى وجود قابلية شعبية وبلدية لدعم مشروع سيادي يعيد الاعتبار لمفهوم الدولة، ويؤسس لمرحلة مختلفة قوامها الشراكة، لا الوصاية.

وفي هذا السياق، يمكن اعتبار الترحيب الذي لاقاه سلام تزكية شعبية لمواقفه وتوجهاته السيادية، ودليلًا على أن خطاب الدولة والمؤسسات يجد صداه حيث يُفترض أن يكون التحدي الأكبر.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: