فيما يدخل لبنان أسبوعاً بالغ الحساسية على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية، تتقاطع محطات داخلية وخارجية تعكس حجم التحديات المطروحة على الدولة، من الاستحقاقات الروحية - الوطنية، إلى الجنوب، فالشمال، وصولاً إلى دوائر القرار الدولي.
عيد مار مارون وكلمة مفصلية للراعي
غداً الاثنين، يحل عيد مار مارون، وفي هذه المناسبة، يُنتظر أن يلقي البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي عظة بالغة الأهمية خلال القداس الذي سيُقام في كنيسة مار جرجس في بيروت، بحضور الرؤساء الثلاثة.
ومن المرتقب أن يؤكد الراعي في كلمته ضرورة استكمال خطة الجيش اللبناني في شمال الليطاني كما في جنوبه، مشدداً على الدور المحوري للمؤسسة العسكرية في حماية الاستقرار والسيادة. كما سيعبّر عن دعمه الكامل للحكومة اللبنانية في الخطوات التي ستقوم بها في هذه المرحلة الدقيقة. وإلى جانب البعد السياسي والوطني، سيتناول الراعي معاني عيد مار مارون، وأهمية الثبات والنضال في هذه الأرض، استلهاماً لمسيرة القديس مار مارون وقيمه الروحية والوطنية.
الجنوب: رسالة دولة لا زيارة بروتوكولية
في السياق نفسه، جاءت جولة رئيس الحكومة نواف سلام إلى الجنوب لتتجاوز الطابع البروتوكولي، حاملة رسالة سياسية مباشرة مفادها أن الدولة حاضرة، ولو بالحدّ الأدنى الممكن، في منطقة لطالما شكّلت اختباراً لدورها وحدود سلطتها.
الجنوب، بما يحمله من رمزية سيادية وأمنية، كان محطة لتأكيد أن الدولة، رغم تعثرها، لا تزال تحاول تثبيت موقعها كلاعب أساسي، لا مجرد شاهد على الوقائع، في محاولة لإعادة وصل المنطقة بمؤسساتها الشرعية وتثبيت حضورها على الأرض.
قائد الجيش في واشنطن: دعم مستمر رغم السجال
على خطٍ موازٍ، تكتسب زيارة قائد الجيش رودولف هيكل إلى واشنطن أهمية خاصة، في توقيت بالغ الحساسية، مصادر ديبلوماسية أميركية تؤكد أن الزيارة تأتي في إطار أولوية دعم المؤسسة العسكرية، باعتبارها أحد أعمدة الاستقرار الداخلي في لبنان.
ورغم السجال الذي أثاره موقف السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، يبقى دعم الجيش أولوية ثابتة لدى الإدارة الأميركية، حتى ضمن سياستها الأوسع المتعلقة بـ"السلام في الشرق الأوسط". فالجيش، بحسب المصادر، لا يزال خط الدفاع الأخير عن تماسك الدولة ومنع الانزلاق نحو فوضى شاملة.
طرابلس: جرح الإهمال المتجدد
شمالاً، أعاد انهيار مبنى سكني في طرابلس مساء اليوم فتح جرح قديم - جديد عنوانه الإهمال المزمن للمدينة. فالكارثة لا تُعد حادثاً معزولاً، بل نتيجة تراكم طويل من غياب الرقابة، ضعف البنى التحتية، وتجاهل احتياجات منطقة تُستَحضَر في الخطابات وتُهمَل في السياسات.
مرة جديدة، تدفع طرابلس ثمن تراكمات السياسات الماضية، فيما تتكرس المخاطر على حياة السكان في ظل غياب المعالجات الجذرية.
تحذيرات من ربط القرار اللبناني بالخارج
أمنياً، كشف مصدر ديبلوماسي في حديث لـLebTalks عن أن لبنان يمر بمرحلة دقيقة للغاية، مع تراجع هامش الحركة المتاح أمامه. وحذّر من أن رهن أي خطوة تتعلق بحصرية السلاح بنتائج المباحثات الأميركية - الإيرانية يضع البلاد في حالة انتظار خطِرة، ويمنح إسرائيل فرصة لإعادة تنظيم خياراتها العسكرية، ما يرفع احتمالات الحرب.
وأشار المصدر إلى أن تحذيرات واضحة وصلت إلى المسؤولين اللبنانيين من خطورة تعليق القرارات السيادية على مسارات تفاوض خارجية غير مضمونة، لأن إخفاق هذه المسارات قد يدفع المنطقة نحو مواجهة مفتوحة، يكون لبنان من أبرز ساحاتها، ويعيد ربط وضعه الأمني بتوازنات القوى الإقليمية، على حساب فرص ترسيخ الاستقرار الداخلي.
صندوق النقد والرهانات السياسية
اقتصادياً، يصل وفد صندوق النقد الدولي إلى لبنان هذا الأسبوع حاملاً ملفاً بالغ التعقيد يتمحور حول قانون الفجوة المالية، البحث يدور حول حلول "تقريبية" تحاول التوفيق بين ما يطلبه الصندوق وما يمكن للنظام السياسي اللبناني تحمّله.
غير أن دور الصندوق لم يعد اقتصادياً بحتاً، إذ بات حضوره يحمل أبعاداً سياسية واضحة، تتجاوز الأرقام إلى شكل الدولة المقبلة، وطبيعة التزاماتها، وقدرتها الفعلية على تنفيذ ما تعِد به، في ظل أزمة ثقة عميقة داخلياً وخارجياً.
البلاد أمام مفترق حساس، حيث تتقاطع الرمزية الوطنية، والتحركات السياسية، والضغوط الأمنية، والاستحقاقات الاقتصادية، في اختبار جديد لقدرة الدولة اللبنانية على الإمساك بقرارها، واستعادة دورها، قبل أن تسبقها الأحداث مرة أخرى.