كتب أنطوان العويط:
في لبنان، لا يُقاس الزمن بالساعات، ولا تُحْسب الأيام بتقويمها، بل يُوزن كلّ شيء بفعلٍ واحدٍ متجذّر في الوعي واللاوعي معًا: الانتظار. انتظارٌ ليس محطّةً عابرةً بين حدثين، بل حالةٌ وجوديّة كاملة، تكاد تكون هويّةً نفسيّةً وجماعيّةً، ترافق اللبنانيّ منذ ولادته وحتى شيخوخته الأخيرة.
اللبنانيّ ينتظر كما يتنفّس. ينتظر خبرًا عاجلًا قد يقلب نهاره حدادًا، أو يحوّل ليلَه قلقًا مضاعفًا. ينتظر نشرةَ أخبارٍ لا تحمل إلّا السواد، كأنّ الضوء محرّمٌ عليه أن يعبر الشاشات. ينتظر تداعي أبنيةٍ هرِمت قبل سكّانها، وقصفًا قد يباغت السماء، وحربًا قد تشتعل بلا إنذار، ومأساةً تُضاف إلى سجلٍّ لم يعد يتّسع للأسماء ولا للدموع. ينتظر نتائج المفاوضات الأميركيّة - الإيرانيّة. ينتظر قانونا انتخابيًّا. ينتظر انهيارًا آخر، لأنّ الانهيار في لبنان لم يعد استثناءً بل أضحى قاعدة، ولم يعد صدمةً عابرةً بل عادةً قاسيةً تتكرّر حتى تكاد تُفقد الصدمة معناها.
هذا الانتظار المتراكم ليس فعلَ صبرٍ بريء، بل هو حالةُ ضغطٍ مستدام، أشبه بإقامة دائمة في منطقة خطر. في علم النفس، يُقال إنّ الترقّب المستمرّ للأسوأ يولّد ما يشبه القلقَ المزمن. جسدٌ في حال استنفار دائم، وعقلٌ لا يعرف السكون، وروحٌ تتأرجح بين الخوف والتكيّف، بين الهلع والاعتياد. اللبنانيّ يعيش هذه الرهبة منذ عقود، لا كعارضٍ طارئ، بل كمناخٍ كامل، كبيئةٍ نفسيّةٍ تحيط به وتعيد تشكيل وعيه، وتنقّب في أعماق اللاوعي يومًا بعد يوم.
منذ العام 1975 على الأقلّ، وحتّى اليوم، واللبنانيّ ينتظر. ينتظر نهاية الحرب، ثمّ ينتظر ثمار السلام، ثمّ ينتظر الدولة، ثمّ ينتظر الكهرباء، ثمّ ينتظر العدالة، ثمّ ينتظر الخبز والدواء والمأوى، ثمّ ينتظر… نفسه. جيلٌ وُلد في الحرب، كبر في الوصاية ثمّ في "الممانعة"، شاخ في الخيبات، وما زال ينتظر. جيلٌ لم يُمنح ترف الطمأنينة يومًا، ولم يختبر معنى الاستقرار الذاتيّ كما تختبره الشعوب الأخرى.
تخيّلوا، ولو للحظة، لو أنّ ما نعيشه منذ نصف قرنٍ عاناه بلد أوروبيّ واحد. تخيّلوا انهيارَ عملة، وانفجارَ مرفأ، وحروبًا أهليّةً وخارجيّة، وفسادًا بنيويًّا، وتهديدًا أمنيًّا دائمًا، وغيابًا شبه كامل للدولة. تخيّلوا ذلك في الولايات المتّحدة، أو في أستراليا. ماذا كان سيحدث؟
هل هذا الانتظار هو وليد لعنةُ الجغرافيا؟ هل كُتب على لبنان أن يكون ساحةً لا بيتًا، وممرًّا لا مقصدًا، لأنّه وُضع عند تقاطع خرائط متضاربة ومصالح لا تعترف بالعقلاء؟ أم أنّ الجغرافيا ليست لعنةً بحدّ ذاتها، بل امتحانًا، وأنّ الأرض لا تخون إلّا حين يُخان معناها؟
كثيرون آمنوا، ويؤمنون، بأنّ لبنان وقفٌ لله، وأن تربته لم تُعطَ لتُستنزف، بل لتُصان وتحيا من أجل الأجيال، لا لتكون ساحة صراع بل مساحة شهادة. لكن ماذا لو كان هذا "الوقف" نفسه عبئًا روحيًّا ثقيلًا؟ ماذا لو دُعي لبنان إلى دورٍ أعظم من قدرته البشريّة، فصار الانتظار تجسيدًا للصليب، لا عقابًا بل طريقًا وفداءً للرحلة الوجوديّة، واختباراتها العميقة؟
في الفلسفة، المسار السلبيّ في أبعاده المظلمة على الحياة أو النفس، لا يُنظر إليه كمأساة مفروضة علينا قسرًا، بل كدعوة مستمرة لمواجهته بوعي وتصميم، حيث تكمن في التحدّيات فرصة للنموّ النفسيّ والتمرّد على الجمود، وإعادة صياغة معنى حياتنا بجرأة وحرّية. وفي الروحانيّة، الألم ليس علامةً على غياب الله، بل همس حضوره الصامت في أعماقنا. هكذا يتحوّل الانتظار من لعنة الجغرافيا إلى سؤالٍ وجوديّ رصين. هل نُدان لأنّنا وُضعنا هنا، أم نُختبر لنرتقي بمعنى وجودنا؟ وهل المشكلة في المسار نفسه، أم في عجزنا عن قراءة رموزه وفهم الدروس التي يختزنها؟ ففي هذا البحث الجوهريّ، يصبح الانتظار أكثر من مجرد ترقّب ورصد… يصبح مساحةً لإعادة اكتشاف الذات، وتجريب الصبر، والتعرّف إلى عمق القدرة على البقاء رغم كلّ شيء.
في لبنان، لا يحدث بالضرورة ما قد تشهده بلدان العالم في مثل هذه الظروف. لا تمتلئ مراكز الصحّة النفسيّة بقدر ما يمتلئ الفضاء العام بأناسٍ يمشون ويعملون ويضحكون أحيانًا، وكأنّهم يتحدّون قوانين الطبيعة البشريّة. هنا يطرح السؤال الأكثر عمقًا: من أين ينبثق هذا الضوء الداخليّ وهذا الأمل؟
هل هو جينيّ؟ هل وُلد اللبناني ومعه تشكيل بيولوجيّ خفيّ يقاوم الانكسار؟ أم هو آليّةُ دفاعٍ نفسيّة جماعيّة تنتجها الشعوب حين تُترك وحيدةً في مواجهة العبث؟
لولا هذا الأمل، لكان اللبنانيّ، بكل معاناته، حالةً سريريّةً بامتياز، وقد يكون. جسدٌ في استنفار دائم، وعقلٌ لا يعرف السكون، وروحٌ أسيرة القلق والاكتئاب الجماعيّ. لكنّ ما يحدث، وإن كان محدودًا مقارنةً بما يمكن تصوّره، هو أنّ الأمل يبرز حيث لا منطق له، وينبثق من رحم العدم، كوميضٍ خفيّ يشقّ الظلام ويرفض الانطفاء.
هذا الأمل، لنقل الرجاء، ليس تفاؤلًا ساذجًا، ولا إنكارًا للواقع، بل هو خيارٌ داخليّ بالبقاء، وقرارٌ غير معلن بعدم الانسحاب من الحياة. هو شعاع يشبه الإيمان أكثر مما يشبه الحسابات. نبضٌ يقول نحن هنا، رغم كلّ شيء. يخرج من تحت الركام، من بين أنقاض البيوت، من ذاكرة المجازر، ومن وجوه الأمهات اللواتي يترقّبن بناتهن وأبنائهن وقد لا يعودون.
لقد بات الانتظار في لبنان فعل مقاومةٍ للجنون، والانهيار الشامل، والاستسلام الكامل. اللبنانيّ ينتظر، نعم، لكنّه في الوقت نفسه يرمّم نفسه كلّ يوم، ولو بحدّه الأدنى. يخلق حياةً صغيرةً داخل الفوضى الكبرى. يبتسم أحيانًا، لا لأنّه سعيد، بل لأنّه قرّر ألاّ ينهزم.
في النهاية، الانتظار اللبنانيّ ليس انتظارَ خلاصٍ قريب، بل انتظارُ معنى. معنى الاستمرار، معنى البقاء، معنى أن يكون الإنسان إنسانًا في مكانٍ يصرّ على امتحان إنسانيّته بلا هوادة. وربّما، في هذا الانتظار الطويل، يكمن سرّ لبنان الحقيقيّ. بلدٌ يعيش في خضمّ وأعماق الانهيار، لكّنه يرفض، نفسيًّا وروحيًّا، أن يسقط نهائيًّا.