في لحظة شديدة الحساسية، يتقاطع الاستحقاق النيابي مع مناخ إقليمي متفجّر، حيث لا شيء يبدو منفصلًا عن الآخر. الانتخابات ليست مجرّد عملية دستورية دورية، بل اختبار لقدرة الدولة على تثبيت حدٍّ أدنى من الانتظام السياسي وسط عواصف داخلية وخارجية. بين نقاش الدائرة 16، واقتراع المغتربين، وسجال الصلاحيات بين المؤسسات.
في هذا الإطار، أفادت مصادر مواكبة للاستحقاق الانتخابي أنّ التحضيرات اللوجستية في السفارات اللبنانية انطلقت فعليًا، على أن يُتاح للمغتربين الاقتراع للنواب الـ128 من أماكن إقامتهم في الخارج، وفق الآليات المعتمدة.
وأشارت المصادر، عبر LebTalks، إلى أن وزارة الخارجية والمغتربين تُجري اتصالات مع شركة DHL لتأمين المستلزمات اللوجستية اللازمة، ولا سيما ما يتصل بنقل صناديق الاقتراع وضمان سلامة العملية الانتخابية في أيار المقبل. كما ذكّرت برأي هيئة التشريع والاستشارات الذي ثبّت حق المغتربين بالاقتراع الكامل تبعًا لدوائر قيدهم في لبنان، على ان يتم التوقيع على بعض المراسيم المسهلة لكل العملية الانتخابية.
في المقابل، ردّت مصادر وزارية على ما وصفتها بمحاولات "الإيقاع" بين وزارتي الداخلية والبلديات والخارجية والمغتربين، مؤكدةً أن الوزارتين تلتزمان تنفيذ قرارات مجلس الوزراء. ولفتت إلى أن الحكومة حسمت مسألة استحداث الدائرة 16، معتبرةً أن الأمر غير ممكن، وذلك استنادًا إلى توصية لجنة وزارية سداسية أقرّها مجلس الوزراء وثبّتها بقرار رسمي، قبل إحالة مشروع قانون معجّل إلى مجلس النواب.
أضافت أنّ وزارة الداخلية تعذّر عليها تسجيل ترشّح أحد الأشخاص عن الدائرة 16، فيما تبقى وزارة الخارجية ملتزمة بما تقرره الحكومة.
وختمت المصادر بالتأكيد أن من يرغب في الاعتراض فليتوجّه إلى الحكومة مجتمعةً ورئيسها، أو إلى رئيس مجلس النواب للمطالبة بفتح المجلس وإقرار التعديلات اللازمة، معتبرةً أنّ الكرة باتت في ملعب البرلمان، لا في عهدة الوزارات، "إلّا إذا كانت خلفية التصعيد سياسية هدفها تعطيل الاستحقاق".
في سياقٍ متصل، تحدّثت أوساط سياسية عن مواقف عبّر عنها عدد من سفراء الدول الصديقة للبنان، ولا سيما الدول الأعضاء في لجنة "الميكانيزم"، حيث طُرح في الكواليس خيار تأجيل الاستحقاق الانتخابي لاعتبارات عدّة تتصل بالوضعين السياسي والأمني.
وبحسب المعطيات، التي حصل عليها LebTalks فإنّ بعض الوفود الرسمية التي أجرت مشاورات خارجية استمزجت موقف إحدى العواصم المؤثرة، فبرز توجّه بضرورة الإبقاء على حكومة نواف سلام في المرحلة الراهنة، باعتبارها عنصر استقرار إلى حين تبلور المشهد الداخلي والإقليمي. في المقابل، أفادت معلومات بأن دوائر بعبدا وضعت المسألة في إطارها الدستوري، معتبرةً أن أي تعديل في المهل أو الخيارات المطروحة يبقى من صلاحيات السلطة التشريعية، ما يعني عمليًا أن الكرة باتت في ملعب رئاسة مجلس النواب.
وتبقى الصورة مرشحة لمزيد من التوضيح خلال الأسابيع القليلة المقبلة، رهن الاتصالات القائمة داخليًا وخارجيًا.
ووفق أوساط مطّلعة لـLebtalks، تمحورت اللقاءات التي عُقدت في نهاية الأسبوع الماضي حول تكريس مظلة سياسية جامعة تُعلي أولوية الاستقرار الداخلي، وتضبط إيقاع الخطاب السياسي والإعلامي بما يمنع أي انطباع عن تموضعٍ مسبق في محاور إقليمية. ويهدف التنسيق القائم بين الرئاسات والقيادات الحزبية إلى تجنّب مواقف أو ردود فعل غير محسوبة قد تستجلب تصعيدًا إسرائيليًا واسعًا، ولا سيما في ظل هشاشة الساحة اللبنانية وقابليتها للاشتعال نتيجة أي خطأ في الحسابات.
على الصعيد العسكري، فتستند التقديرات إلى احتمالين رئيسيين، إما مواجهة محدودة بين الولايات المتحدة وإيران تبقى محصورة في نطاق ضيق، أو تصعيد أشمل قد يدفع إسرائيل إلى فتح جبهة الشمال باعتبارها ساحة لضرب ما تراه تهديدًا استراتيجيًا. وفي السيناريو الثاني، يُخشى أن يصبح لبنان عرضة لضربات استباقية حتى من دون اتخاذ قرار مباشر بالمشاركة في النزاع.
أما على الصعيد السياسي، فتكثّفت الاتصالات الدبلوماسية والوساطات الإقليمية لنقل رسالة واضحة مفادها أنّ الدولة اللبنانية لا ترغب في الانخراط بأي مواجهة محتملة بين واشنطن وطهران، مع التشديد على ضرورة ممارسة ضغوط دولية على إسرائيل لعدم استغلال أي تطور إقليمي لتوسيع اعتداءاتها على الأراضي اللبنانية. ويعكس هذا المسار إدراكًا بأنّ القرار الإسرائيلي، في حال اندلاع حرب واسعة، قد لا يراعي الاعتبارات اللبنانية، ما يستدعي توفير شبكة أمان دولية تحدّ من احتمالات الانزلاق نحو تصعيد كبير.
في هذا السياق، تصبح الحسابات اللبنانية أكثر تعقيدًا، أي تصعيد مباشر ضد إيران قد يدفع إلى توسّع الجبهات، ويطرح السؤال حول مدى استعداد حزب الله للدخول في أي مواجهة لدعم محور طهران، وما انعكاس ذلك على الاستقرار الداخلي.
التجارب السابقة تظهر أنّ قرار الإسناد يرتبط بسقف المواجهة ولا يكون رمزياً، وأي انخراط واسع قد يُحوّل الديناميات الأمنية إلى تحدٍ استراتيجي يضع الاستحقاق النيابي نفسه أمام احتمالات إعادة النظر في موعده.
فالتصعيد الإسرائيلي الأخير، حتى لو كان ضمن حدود رفع سقف الردع، يبقى محفوفًا بخطر الانزلاق التدريجي إذا تداخلت الحسابات الإقليمية والدولية. وهنا، تصبح أي مسألة داخلية، مثل الدائرة 16 أو آلية اقتراع المغتربين، جزءاً من معادلة أكبر تتصل بقدرة الدولة على حماية استحقاقها الدستوري وسط سياق إقليمي متوتر.
بين صناديق الاقتراع واحتمال صناديق الذخيرة، يقف لبنان مرة جديدة على حافة قرار لا يملك وحده مفاتيحه، وأي تطور ميداني في الإقليم قد يحسم ما إذا كان أيار شهرًا ديموقراطيًا بامتياز، أم محطة مؤجلة على إيقاع مواجهة تتجاوز حدوده.