"من الردع إلى التبرير".. قيادة بلا كاريزما وتأثير من دون صدى

5

بعد مرور عام على تشييع الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصرالله في 23 شباط 2025، في واحدة من أكبر الجنازات التي شهدها لبنان منذ عقود بمشاركة مئات الآلاف من اللبنانيين وشخصيات إقليمية، يدخل حزب الله مرحلة تحوّلات عميقة تكشف هشاشة القيادة الجديدة، وتراجع القدرة على التأثير، وتناقضات واضحة في الخطاب السياسي والعسكري.

سقوط الكاريزما وتراجع الحضور القيادي

لم يكن حسن نصرالله مجرد أمين عام، بل كان الرمز الجامع والمحرّك العاطفي والسياسي لبيئة الحزب، وركيزة حضوره الإقليمي. غيابه شكّل صدمة بنيوية داخل التنظيم، إذ فقد الحزب عنصره الأكثر تأثيرًا معنويًا وإعلاميًا، ما انعكس ارتباكًا في الأداء السياسي وتراجعًا في الزخم التعبوي.

اليوم، تبدو القيادة الجديدة أقل قدرة على صناعة اللحظة السياسية، وأكثر انكفاءً نحو إدارة الأزمة بدل فرض الإيقاع.

إطلالات أكثر.. تأثير أقل

قبل اغتيال نصرالله، كان الشيخ نعيم قاسم يشغل موقعًا متقدمًا داخل البنية القيادية، لكنه لم يكن الواجهة الأولى. بعد تولّيه الأمانة العامة، كثّف حضوره الإعلامي بشكل ملحوظ.

وفق رصد للتغطيات الإعلامية، ظهر قاسم منذ تولّيه المنصب وحتى نهاية عام 2025 في ما لا يقل عن 30 خطابًا متلفزًا بين كلمات سياسية، مواقف مناسبة، وخطابات تعبويّة.

إلا أن معظم هذه الإطلالات اتّسمت بنبرة تنظيمية داخلية، مع غياب المقابلات الحوارية المفتوحة أو المواجهات الإعلامية المباشرة.

المفارقة أن الزيادة الكمية في الخطاب لم تُنتج ارتفاعًا نوعيًا في التأثير. فبينما كان نصرالله يخاطب جمهورًا يتجاوز بيئته المباشرة، تبدو خطابات قاسم موجّهة أساسًا إلى القاعدة الحزبية، مع قدرة محدودة على اختراق الفضاء الوطني الأوسع.

خطاب "المقاومة": ثبات لفظي وتراجع عملي

كرّر قاسم في أكثر من مناسبة أن "السلاح خط أحمر" وأن الحزب لن يسلّمه لأي جهة داخلية أو خارجية. إلا أن الواقع السياسي والعسكري يشير إلى تحوّلات أعمق:

- بعد الحرب الأخيرة مع إسرائيل، ظهرت مؤشرات استنزاف عسكري وضغط ميداني متزايد.

- عاد ملف السلاح إلى الواجهة كنقاش داخلي لبناني، بعدما كان يُتعامل معه سابقًا كأمر واقع خارج التداول السياسي.

في موازاة ذلك، تحدّث الحزب عن "مراجعة استراتيجية" وضرورة إعادة تنظيم بعض القدرات، من دون المساس بجوهر الترسانة. هذا الخطاب يعكس تناقضًا بين التشدد العلني وإقرار ضمني بوجود ضغوط فعلية.

تراجع فعالية الردع

النبرة التهديدية التي اعتمدها قاسم – سواء في الحديث عن الرد على إسرائيل أو في التحذير من المسّ بالسلاح – لم تعد تمتلك الصدى ذاته الذي كانت تحدثه تصريحات سلفه.

فقدت لغة التهديد جزءًا من قدرتها الردعية، داخليًا وخارجيًا، وتحولت في نظر منتقدين إلى خطاب تعبوي أكثر منه استراتيجية ردع متكاملة. وهنا تكمن المفارقة: السلاح الذي شكّل مصدر القوة الرمزية للحزب بات اليوم محور تساؤل سياسي داخلي وخارجي متصاعد.

السلاح بين منطق "المقاومة" وعبء الدولة

مع تفاقم الأزمة الاقتصادية اللبنانية، عاد مطلب نزع السلاح أو تنظيمه ضمن استراتيجية دفاعية رسمية إلى الواجهة بقوة أكبر. بعض القوى اللبنانية والدولية ربطت أي دعم اقتصادي جدي للبنان ببحث هذا الملف.

في المقابل، يعمد الحزب إلى تحصين موقفه عبر تحالفاته الداخلية، لا سيما مع حركة أمل، متجنبًا الانخراط في نقاش وطني شامل حول مستقبل السلاح ودوره.

بيئة متسائلة وغطاء خارجي أضعف

غياب الشخصية الكاريزمية التي كانت قادرة على ضبط الإيقاع الداخلي فتح الباب أمام تساؤلات داخل البيئة اللبنانية نفسها حول الأولويات الوطنية، وجدوى استمرار المعادلة الحالية.

إقليميًا، تراجع الغطاء السياسي، وتزايدت الضغوط الدولية، ما جعل الحزب في موقع دفاعي أكثر منه هجومي.

بعد عام على تشييع حسن نصرالله، يقف حزب الله أمام واقع مختلف: حضورٌ خطابي كثيف، وتأثيرٌ يتراجع. في عهد نعيم قاسم ارتفع عدد الكلمات، لكن انخفض وزنها، وتحوّل الحزب من صانع معادلات إلى مدافع عن موقعه.

السلاح الذي كان خارج النقاش بات في صلبه، والضغوط تتزايد سياسيًا واقتصاديًا. سنة واحدة كانت كافية لتكشف أن المشكلة لم تكن في غياب الرجل فقط، بل في صعوبة ملء الفراغ الذي تركه.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: