بمشهد مُضحك ومُبك في الوقت عينه، يخرج رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" في البرلمان اللبناني، محمد رعد، بعد ساعات من تداول أنباء عن استهدافه بغارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية، ليعظ الدولة اللبنانية في السيادة، ويُحاضر رئيس الحكومة نواف سلام في مفهوم السلم الأهلي، ويُذكّر الجميع بأن الحكومة "عاجزة" عن مواجهة إسرائيل، يا للمفارقة.
إنه تصريح جديد يفيض بالأوهام نفسها التي دأب الحزب على تسويقها منذ سنوات: أوهام القدرة المطلقة، وأوهام احتكار الحقيقة الوطنية، وأوهام تصوير كل اعتراض على قراراته باعتباره خضوعاً أو خيانة، خطاب يتجاهل واقعاً يزداد قسوة على اللبنانيين. إن تكرار السردية ليس كفيل بتحويلها إلى حقيقة، بل لإثبات أنكم مُنتج إيراني بامتياز وبأنكم خونةٌ لوطننا!
ولكن من الذي يعاني من "العجز" فعلاً؟ يقول رعد إن "الكتلة تتفهم عجز الحكومة أمام العدو الصهيوني". لكن السؤال البسيط: من الذي قيّد الدولة أصلاً؟ من الذي احتكر قرار الحرب؟ من الذي جعل أي حكومة، مهما كانت، عاجزة عن فرض سيادتها على كامل أراضيها؟ فهل تضحك على نفسك قبل أن تظنّ أنك تضحك على الآخرين؟
حين تُطلق الصواريخ من الجنوب، لا تُطلق بقرار من مجلس الوزراء. وحين يُجرّ لبنان إلى مواجهة إقليمية إسناداً لحبيبتكم طهران، لا يُستفتى اللبنانيون. وحين تُعطى ضمانات داخلية بعدم التورط، وتحديداً للرئيس بري الذي اعتبر أنه خُدع، ثم تُخرق فجراً، لا يُشرح للشعب لماذا تغيّر القرار بين الليل والصباح. فحزب الله ليس صادق غير بكذبه! ومع ذلك، يخرج بيان من كوكب آخر ليتحدث عن "عجز الحكومة"؟!
ويصف رعد قرار سلام باعتبار نشاطات حزب الله العسكرية خارج القانون بأنه "قرار عنتري". غريب أن يصبح تطبيق الدستور عنترية. وغريب أن يُعتبر الدفاع عن مبدأ احتكار الدولة للسلاح نوعاً من الاستعراض. والأغرب أن من أدخل البلاد في حرب إقليمية مفتوحة، من دون تفويض شعبي أو مؤسساتي، يتحدث عن الحكمة والتروّي. القرار العنتري الحقيقي هو قراركم الغاشم والغبي بإطلاق صواريخ تجاه إسرائيل، "فيريت بتربط زندك شوي محمد رعد".
ولم يكتف رعد بهذه "المسخرة"، إذ اشار بيانه إلى أن "اللبنانيين كانوا ينتظرون قراراً بحظر العدوان، فإذا بهم أمام قرار حظر رفض العدوان"، وكأنّ رفض إدخال لبنان في حرب هو "رفض للعدوان". بهذا المنطق، تصبح الدولة متهمة لأنها لا تصفق!
فلماذا تعتقد، يا رعد، أنّ الرئيس عون بذل جهوده للحصول على "ضمانات" من حزبكم بعدم إسناد إيران؟ أليس لأنه كان يرفض العدوان؟ أو "كان عم بفقي بزر"؟ ولماذا تعتقد أن مسألة حصر السلاح تترأس جدول أعمال حكومة سلام منذ تأليفها حتى اليوم؟ أليس لأن الدولة رافضة للعدوان؟
عودة للبيان العظيم، يتحدث رعد عن "خداع اللبنانيين بأن مصالحة العدو والخضوع لشروطه هو السبيل الوحيد لتحقيق الأمن". لكن أي خداع أخطر: أن تقول للناس إنك لن تتدخل في حرب إقليمية، ثم تفعل؟ أم أن تعلن بوضوح أن الدولة وحدها تقرّر مصيرها؟ المشكلة ليست في بيانك.. بل في منطقك "الأعوج".
في الدول الطبيعية، يُنتقد رئيس الحكومة لأنه قرر الحرب. أما في لبنان، فيُنتقد لأنه تجرأ على القول إن قرار الحرب ليس بيد حزب معيّن.
وهنا تكمن المأساة. لا في بيان، بل في واقعٍ صار يحتاج إلى أكثر من سخرية كي يُفهم. فيا محمد رعد "بدنا نروق".