عاد نهر الليطاني إلى واجهة المشهد اللبناني، كخط تماس تتكثف عنده التحولات العسكرية والسياسية التي ترسم ملامح المرحلة المقبلة، فالحرب التي فتحها حزب الله تحت عنوان "الإسناد" لم تبقَ في حدودها الأولى، إذ اتسعت رقعتها وتبدلت أهدافها، ليندفع الجنوب مرة جديدة إلى قلب مواجهة يدفع سكانه كلفتها الباهظة، فيما تتقدم إسرائيل بخطوات متسارعة نحو فرض واقع ميداني جديد تحت عنوان "المنطقة العازلة".
يكشف الميدان بوضوح حجم التحول، بالتالي لم إنذارات الإخلاء الإسرائيلية محصورة بالقرى الحدودية الملاصقة لفلسطين المحتلة، إذ أخذت تمتد تدريجياً داخل عمق جنوب الليطاني لتشمل عشرات البلدات والقرى، وتكثفت الغارات بصورة غير مسبوقة، فيما تتحرك الوحدات البرية على محاور متعددة داخل هذه الرقعة الجغرافية الحساسة، حتى بلغ عدد البلدات المشمولة بالإنذارات نحو أربعٍ وثمانين بلدة وقرية، يمتد بعضها إلى عمق يقارب عشرة كيلومترات من الحدود.
توازياً، أعلنت اسرائيل منذ بداية العمليات أنها تتحرك تحت عنوان حماية سكان شمالها، غير أن التوسع الميداني يفتح الباب أمام قراءة مختلفة لما يجري، فالحديث في الأوساط العسكرية والإستراتيجية يدور حول احتمال تثبيت شريط أمني واسع جنوب النهر، يمتد بعمق يصل إلى عشرة كيلومترات على طول الحدود الممتدة لنحو مئة وعشرين كيلومتراً، وفي حال تكريس هذا الواقع، فإن المساحة التي ستقع ضمن هذا النطاق تقترب من ألف ومئتي كيلومتر مربع، ما يعني عملياً إخراج جزء أساسي من الجغرافيا اللبنانية من دورة الحياة الطبيعية.
هذه المنطقة ليست مجرد أرض حدودية، بالتالي جنوب الليطاني يضم قرىً وبلدات كانت لعقود قلب الجنوب الزراعي والاجتماعي، حيث يعيش عشرات آلاف اللبنانيين الذين ارتبطت حياتهم اليومية بالأرض والزراعة والتجارة المحلية، كَوْن الحرب الحالية قلبت هذا المشهد بالكامل، فموجات النزوح دفعت القسم الأكبر من السكان إلى مغادرة قراهم نحو مناطق لبنانية مختلفة وفي مقدمتها العاصمة بيروت.
وتشير الأرقام المتداولة لكن غير الرسمية إلى أن عدد النازحين من هذه القرى يقترب من مئتي ألف شخص، ولا يقتصر هذا النزوح الواسع لا تأثيره على الجانب الإنساني، إذ يترك بصمات عميقة على التوازن الديموغرافي والاقتصادي في لبنان. فانتقال هذا العدد الكبير من السكان إلى مدن مكتظة أساساً يفرض ضغطاً إضافياً على البنية التحتية والخدمات والأسواق وفرص العمل.
المعضلة الأبرز لا ترتبط بعملية النزوح بحد ذاتها، بما قد يحدث لاحقاً، لأن استمرار الحرب لفترة طويلة، مع بقاء القرى الواقعة جنوب الليطاني تحت وطأة العمليات العسكرية قد يؤدي إلى إطالة أمد الفراغ السكاني في هذه المناطق، على إعتبار أن الأرض التي تُترك بلا سكان تصبح عملياً مساحة مفتوحة أمام تثبيت وقائع عسكرية جديدة، الأمر الذي يثير مخاوف جدية من أن يتحول النزوح المؤقت إلى غياب طويل يبدل طبيعة المنطقة.
في هذا السياق، يرى الباحث في "الدولية للمعلومات" محمد شمس الدين في حديث إلى LebTalks، أن الصورة لا تزال غير واضحة بالكامل، إذ يصعب الجزم بالقرى التي قد تشملها أي ترتيبات ميدانية دائمة، ويشير إلى أن السيناريو الأقرب يتمثل في دخول عسكري إسرائيلي لفترة زمنية محدودة مع صعوبة بقاء القوات لفترة طويلة داخل هذه المناطق، مضيفاً أن المسار النهائي للأحداث سيبقى مرتبطاً بنتائج الحرب الدائرة مع إيران.
وبحسب باحث آخر متابع لملف النزوح، انه في حال استمر النزوح الذي يقارب عشرات الالاف حيث لا يمكن الاحصاء في الوقت الراهن من جنوب لبنان إلى مناطق أخرى، ولا سيما إلى بيروت وضواحيها، قد يحمل تداعيات سلبية في حال طال أمد بقائهم خارج قراهم ولم تتم عودتهم تدريجيًا، على إعتبار أن المشكلة لا تتصل فقط بالضغط السكاني انما تمتد إلى أبعاد اقتصادية واجتماعية وأمنية.
ويشير، في حديثه الى موقعنا إلى أن الضغط على البنية التحتية سيكون من أبرز التداعيات المحتملة، إذ إن مناطق الاستقبال تعاني أساساً من هشاشة في الخدمات العامة، من كهرباء ومياه ومدارس ومستشفيات، ما قد يؤدي إلى تراجع إضافي في قدرة هذه المرافق على الاستجابة للحاجات اليومية للسكان.
كما قد ينعكس النزوح طويل الأمد على سوق العمل المحلي، حيث يزداد التنافس على فرص العمل المحدودة أصلاً في ظل الأزمة الاقتصادية، الأمر الذي قد يرفع نسب البطالة ويضغط على الأجور في بعض القطاعات غير المنظمة.
ولا يستبعد الباحث أيضاً تفاقم التوترات الاجتماعية في بعض المناطق إذا استمر الاكتظاظ السكاني لفترة طويلة، خصوصاً في الأحياء ذات الكثافة المرتفعة، حيث تتداخل الضغوط المعيشية مع الحساسية الاجتماعية والسياسية القائمة في البلد.
ويخلص الباحث عينه، إلى أن الحل الأكثر استقراراً يبقى في عودة الأهالي إلى قراهم فور توافر الحد الأدنى من الظروف الأمنية والخدماتية، لأن استمرار النزوح الداخلي بهذا الحجم قد يحول الأزمة الموقتة إلى تحد بنيوي يطال التوازنات الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.
وسط هذه التطورات، يقف نهر الليطاني شاهداً على لحظة مفصلية في تاريخ الجنوب، فضفافه التي كانت تفصل بين مناطق مأهولة وحقول زراعية تحولت إلى خط تتقاطع عنده الحسابات العسكرية والإقليمية، ويبقى السؤال البديهي مطروحاً: هل يستعيد الجنوب سكانه بعد انتهاء الحرب، أم أن النزوح الذي فرضته المعارك سيفتح الباب أمام واقع جديد قد يغير وجه هذه المنطقة لسنوات طويلة؟