رون آراد.. لغز يلاحق إسرائيل حتى اليوم

5

بعد الإنزال الإسرائيلي المفاجئ فجر اليوم في بلدة النبي شيت البقاعية، كَثُرت التساؤلات حول الهدف الذي سعى إليه الجيش الإسرائيلي من هذه العملية غير المسبوقة. إنزال سرعان ما تحوّل إلى مواجهة وإطلاق نار مباشر بين عناصر حزب الله والقوة الإسرائيلية، ما دفع الجيش الإسرائيلي إلى شنّ نحو 40 غارة على البلدة في محاولة لتأمين انسحاب جنوده وسحب القوة المنفّذة للعملية، بحسب بيان الحزب، الأمر الذي خلّف دماراً هائلاً في المنطقة.

وأشارت المعلومات إلى أنّ هذه العملية العسكرية قد تكون امتداداً لثأرٍ قديم ولغزٍ لم يُقفل ملفّه بعد، ضمن سياق الصراع الطويل بين إسرائيل وحزب الله وحركة أمل حينها. ويُقدّر أنّ الهدف المحتمل للعملية كان محاولة سحب رفات الجندي الإسرائيلي رون آراد Ron Arad، الذي لا تزال قضيته تشكّل أحد أكثر الملفات غموضاً في تاريخ المواجهة بين الطرفين.

من هو رون آراد؟

رون آراد هو طيار إسرائيلي وُلد العام 1958، والتحق بالجيش الإسرائيلي العام 1978. فُقد أثره في لبنان في السادس عشر من تشرين الأول 1986، بعد مشاركته في هجوم جويّ على متن طائرة مقاتلة من طراز McDonnell Douglas F-4 Phantom  II لاستهداف موقعاً في مدينة صيدا.

ولكن تبدلت الأمور بسرعة. فعندما حاول آراد إطلاق إحدى القذائف، حدث خطأ تقني وانفجرت القذيفة بالقرب من طائرته ما أدى إلى سقوطها داخل الأراضي اللبنانية، وفق التحقيق الذي قام به سلاح الجو الإسرائيلي. وتمكّن آراد وزميله الطيار يشاي أفيرام من القفز بالمظلة، غير أن الجيش الإسرائيلي نجح فقط بإنقاذ أفيرام. 

ومنذ الحادثة، أشارت الروايات إلى أنّ آراد نُقل لاحقاً إلى أحد المسؤولين الأمنيين في حركة أمل، مصطفى الديراني، الذي تولّى احتجازه في أحد المواقع داخل لبنان. وخلال الأشهر الأولى من أسره، تلقت إسرائيل عدداً من الرسائل المكتوبة بخط يده، كما تسلّمت صورة تُظهره أثناء احتجازه، ما شكّل دليلاً على أنه كان لا يزال على قيد الحياة آنذاك.

بعد عملية الأسر، حاولت حركة أمل عقد صفقة لتبادل الأسرى مع إسرائيل، بهدف الإفراج عن عناصرها المُحتجزين مقابل تسليم آراد، إلا أنّ إسرائيل رفضت الصفقة. وبقي آراد أسيراً لدى مصطفى الديراني حتى العام 1988، حين اقتادته جماعة مسلحة من منزله إلى مكان مجهول، بحسب تصريح للأمين العام الأسبق لـ"الحزب" حسن نصرالله العام 2000. وفي العام 1994، خطفت فرقة كوماندوز إسرائيلية مصطفى الديراني من قريته للتحقيق في قضية آراد، لكنها لم تتمكن من التوصل إلى أي معلومات جديدة.

وعلى الرغم من إطلاق سراح الديراني بصفقة تبادل بين إسرائيل والحزب العام 2004، شملت 462 معتقلاً فلسطينياً ولبنانياً، مقابل العقيد الإسرائيلي إلحنان تانينباوم وجثث 3 جنود إسرائيليين؛ إلا أن الصفقة لم تتضمن الإفراج عن آراد أو كشف مصيره.

وفي العام 2007 سلم الحزب رسالة بخط آراد إلى إسرائيل، أكّدت حينها زوجة آراد أن الرسالة كُتِبت بخطه.

في المقابل، اختلفت الروايات الإسرائيلية، التي أشارت إحدها إلى أن الخاطفين وضعوا آراد تحت حراسة إحدى العشائر في قرية صغيرة بسهل البقاع، لكن غارة جوية إسرائيلية في الخامس من أيّار من نفس العام أجبرت الحراس على الفرار وترك آراد في موقع الاحتجاز. وعندما عادوا في اليوم التالي لم يجدوه، وبقي مصيره مجهولاً بين احتمال القتل أو الفرار أو نقله إلى جهة أخرى.

وعادت قضية آراد إلى الواجهة في العام 2025، بعدما اعتقلت إسرائيل النقيب المتقاعد في الأمن العام أحمد شكر، داخل الاراضي اللبناني ونقلع إلى إسرائيل، والذي يُعتقد أن لديه معلوماتٍ تتصل بالقضية.

وأفادت عائلة شكر سباقاً بأن المعطيات المتوافرة تشير، بدرجة شبه مؤكدة، إلى أن إسرائيل هي من اعتقلته من داخل الأراضي اللبنانية.

وتشير تقديرات استخباراتية إسرائيلية إلى أنّ آراد ربما توفي منذ أواخر الثمانينيات، في حين رجحت تقارير أخرى أنه ظل على قيد الحياة لسنوات قبل وفاته لاحقاً. ومع ذلك، لا تزال السلطات الإسرائيلية تصنّف مصيره رسمياً على أنه مجهول، في ظل غياب أي دليل قاطع. ففي واحدة من أكثر القضايا غموضاً في تاريخ الجيش الإسرائيلي، يستمر اللغز مفتوحاً، تاركاً وراءه تساؤلات عن مصير آراد.

ولكن عودة إلى النبي شيت، تبقى الألغاز تحيط بعملية النبي شيت: هل كان الهدف الإسرائيلي منها مجرد البحث عن رفات آراد، أم أن لها أبعاداً أوسع تدخل ضمن الصراع الطويل بين الطرفين؟ وهل يشير هذا الإنزال الإسرائيلي إلى بداية مرحلة جديدة من العمليات البرية داخل لبنان؟ وما احتمالات تكرار مثل هذه العمليات؟

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: