تدخل الحرب الراهنة بثقلها الكامل على الاقتصاد اللبناني، اقتصاد كان بالكاد يتنفس بعد سنوات من الانهيار المالي والنقدي، ليجد نفسه اليوم أمام موجة جديدة من الضغوط القاسية التي تهدد ما تبقى من قدرته على الصمود، فالبلاد التي لم تخرج بعد من غرفة العناية الفائقة، تواجه الآن حربا تضرب بنيتها الاقتصادية في لحظة ضعف غير مسبوقة.
في هذا السياق، يؤكد الخبير المالي والمصرفي نيكولا شيخاني في حديث لموقع LebTalks أن التداعيات الاقتصادية للحرب تتجاوز بكثير ما يظهر في المشهد اليومي، إذ تتراكم عوامل داخلية وخارجية تدفع الاقتصاد اللبناني نحو مرحلة أكثر خطورة وتعقيداً.
ويشرح شيخاني أن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأسابيع الماضية قرارات مالية خاطئة في توقيتها ومضمونها، أبرزها رفع سعر صفيحة البنزين بنحو 300 ألف ليرة وزيادة الضريبة على القيمة المضافة، وهي خطوات كان يمكن تفاديها لو سبقتها إصلاحات فعلية داخل القطاع العام.
فالقطاع العام بحسب شيخاني، يضم ما يقارب خمسة عشر ألف موظف لا يؤدون عملاً إنتاجياً فعلياً، ما يجعل رواتبهم عبئاً إضافياً على المالية العامة، فيما كان من الممكن توجيه هذه الأموال إلى تصحيح الأجور أو إلى إجراءات مالية أكثر توازناً.
ويرى شيخاني أن الدولة امتلكت خيارات أخرى لم تعتمدها، منها استخدام جزء من المصارفات المتوافرة لدى مصرف لبنان والتي تقارب تسعة مليارات دولار، أو اعتماد سياسات نقدية تهدف إلى تعزيز قيمة الليرة وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين، غير أن ما حصل على أرض الواقع كان مساراً معاكساً، الأمر الذي دفع الاقتصاد نحو موجة تضخم جديدة قد تتراوح بين خمسة عشر وعشرين في المئة.
بالتالي هذا المشهد المالي المأزوم يتقاطع اليوم مع واقع الحرب، فلبنان، وفق تقديراته، دخل المواجهة العسكرية من دون أي إصلاح مالي أو اقتصادي أو إداري أو نقدي، الذي يجعل من تداعياتها أكثر قسوة.
الأرقام التي يوردها شيخاني تعكس حجم الضربة، فخلال الستين يوماً الأولى من الحرب، التي ارتبطت بداية بإسناد غزة ثم اتسعت لاحقاً مع التطورات الإقليمية، بلغت الخسائر الاقتصادية نحو عشرين مليار دولار، قسم كبير من هذه الكلفة مرتبط بإعادة الإعمار التي قد تتجاوز عشرة مليارات دولار، إضافة إلى توقف عدد واسع من الشركات والمؤسسات عن العمل بما يوازي سبعة إلى ثمانية مليارات دولار من الخسائر، فضلاً عن الركود الاقتصادي الذي يقدر بما بين خمسة وستة مليارات دولار.
وبحسب هذه التقديرات، فإن الكلفة الإجمالية للحرب تقترب من خمسة وعشرين مليار دولار حتى الآن، وهو رقم مرشح للارتفاع بشكل كبير إذا استمرت المواجهة أو اتسعت رقعتها.
ولا تقف المخاطر عند هذا الحد، يضيف شيخاني، فارتفاع أسعار النفط عالمياً يفتح باب أزمة جديدة للبنان الذي يعتمد بالكامل تقريباً على الاستيراد في قطاع الطاقة، بالتالي مع اقتراب نفاد المخزون النفطي خلال نحو شهر ونصف ستجد الدولة نفسها مضطرة إلى شراء النفط بأسعار مرتفعة للغاية.
هذا التطور سينعكس مباشرة على كلفة النقل وعلى أسعار الكهرباء المولدة عبر المولدات الخاصة، ما يعني أن الفاتورة سوف تقفز بنسب قد تصل إلى مئة في المئة، وهو ما سيترجم موجة تضخم قاسية قد تفلت من أي قدرة على الضبط.
في المقابل، لا يزال ملف الاستثمارات مجمداً، كما أن قضية أموال المودعين لم تجد طريقها إلى الحل بعد، ما يضيف طبقة جديدة من القلق إلى المشهد الاقتصادي.
أما العامل الأكثر حساسية، يتابع شيخاني، يتمثل في التحويلات المالية من اللبنانيين المقيمين في دول الخليج، فهذه الجالية تعد من أكبر الجاليات اللبنانية في العالم، وتشكل تحويلاتها أحد أبرز مصادر العملة الصعبة في البلاد، غير أن الظروف الإقليمية والتوترات العسكرية قد تدفع كثيرين منهم إلى تقليص تحويلاتهم أو تعليقها، خصوصاً في ظل الحرب الدائرة.
تضاف إلى ذلك صعوبة التحويلات المالية أساساً بسبب إدراج لبنان على اللائحة الرمادية، ما يفرض قيوداً إضافية على حركة الأموال ويزيد الضغوط على الاقتصاد المحلي.
انطلاقاً من كل هذه المعطيات، يحذر شيخاني من أن البلاد تقف أمام أخطر مرحلة اقتصادية منذ عقود طويلة، داعياً الحكومة ومصرف لبنان إلى التحرك سريعاً لوضع خطة طوارئ اقتصادية قبل فوات الأوان.
فعند جمع كلفة الدمار وإعادة الإعمار التي قد تصل إلى خمسة وعشرين مليار دولار، مع موجات التضخم الداخلية التي ساهمت فيها السياسات المالية، إضافة إلى التضخم العالمي واحتمال تراجع تحويلات المغتربين، يجد لبنان نفسه أمام أزمة استثنائية بكل المقاييس.
ويرى شيخاني أن ما يمر به البلد اليوم قد يكون الأخطر منذ عام 1952، إذ لم يسبق للبنان أن واجه في الوقت نفسه حرباً مفتوحة ، وانهياراً مالياً عميقاً، وضغوطاً نقدية ومعيشية بهذا الحجم.
لهذا يدق شيخاني ناقوس الخطر بوضوح، ويقول في ختام حديثه: الوقت يضيق والقرارات المؤجلة لم تعد تحتمل المزيد من التأخير، والمسؤولية تقع اليوم على عاتق الدولة بكل مؤسساتها قبل أن يتحول الانهيار الاقتصادي إلى واقع لا يمكن احتواؤه.