المشهد الذي رُصد أمس على امتداد السلسلة الشرقية يبعث برسائل ثقيلة تتجاوز الإطار الأمني الضيق وتلامس احتمالات انفجار أوسع قد يضع لبنان أمام اختبار بالغ الخطورة.
في قراءة سياسية لما حدث، أكد الكاتب السياسي بشارة شربل لموقع LebTalks أن إعلان دمشق رسمياً عبر وكالة الأنباء السورية عن إطلاق قذائف من قبل حزب الله باتجاه موقع عسكري سوري يرفع مستوى القلق إلى درجة غير مسبوقة، لأن صدور مثل هذا الاتهام عن جهة رسمية يخرج الحادثة من دائرة الروايات المتضاربة إلى مساحة سياسية وأمنية أكثر حساسية، خصوصاً إذا ثبتت الوقائع بشكل قاطع.
هذا التطور وفق شربل، يفتح الباب أمام سيناريوهات يصعب ضبط إيقاعها، لأن أي احتكاك مباشر بين الحزب والجيش السوري يحمل في طياته احتمالات تصعيد متدرج قد يتدحرج سريعاً نحو مواجهة لا يرغب لبنان في خوضها، في وقت يحاول فيه قدر الإمكان الابتعاد عن خطوط النار الإقليمية، غير أن المشكلة تكمن في وجود طرف مسلح يمتلك قراره العسكري ويتحرك خارج حسابات الدولة، ما يضع البلاد مرة أخرى أمام خطر الانزلاق إلى نفق سياسي وأمني شديد العتمة.
وعند سؤاله عما إذا كانت دمشق قد تتجه إلى تدخل عسكري داخل الأراضي اللبنانية، يستبعد شربل في المرحلة الراهنة مثل هذا الخيار، لكنه يلفت إلى أن الطريق الأقصر لتجنب أي احتمال من هذا النوع يكمن في إزالة الأسباب التي قد تدفع إليه.
القاعدة هنا واضحة في رأيه، الحدود بين الدول لا ينبغي أن تكون ساحة لقوى عسكرية غير نظامية، وبالتالي فإن انتشار الجيش اللبناني وحده على الحدود يشكل الضمانة الطبيعية لأي استقرار فعلي.
ويضيف، خطورة المشهد لا تقف عند حدود إطلاق القذائف، انما تمتد إلى واقع تموضع الحزب هناك بكامل عتاده واستنفاره العسكري، فالجيش اللبناني، كما يقول شربل، قادر على التعامل مع الجيش السوري ضمن اطر قنوات تنسيق قائمة، بينما يتحرك الحزب وفق عقيدة مختلفة تماماً لا تقوم على منطق الدولة ولا على حسابات المؤسسات.
هذه العقلية، برأي شربل، تجعل قرار الحرب والسلم رهناً بحسابات أيديولوجية مرتبطة بالصراع المرتبط بإيران، ومن هنا يطرح السؤال المقلق: إذا كان الحزب يفتح جبهة لمساندة طهران متى يشاء، فما الذي يمنعه من نقل المواجهة هذه المرة إلى الأراضي السورية؟
في حال وقع مثل هذا السيناريو، يحذر شربل من أن تداعياته قد تكون عميقة، لأن القيادة السورية الحالية، وعلى رأسها الرئيس أحمد الشرع، أعلنت مراراً رغبتها في طي صفحة الحرب السورية التي اندلعت في عهد النظام السابق. غير أن أي هجوم مباشر على الجيش السوري قد يوقظ في الداخل السوري موجة انتقام واسعة يصعب احتواؤها، وعندها قد يصبح ضبط ردود الفعل أمراً خارج قدرة أي جهة سياسية.
وفي قراءة ميدانية موازية، أكد أحد الخبراء العسكريين لموقعنا أن التحركات التي يقوم بها حزب الله على الحدود تبدو مختلفة عن النمط المعتاد، إذ يجري حشد قوات وتجهيزات بطريقة غير مألوفة توحي بوجود استعداد لسيناريو ما يجري التحضير له بصمت.
ويرجح الخبير العسكري أنه في حال اندلاع مواجهة مباشرة فإن القوات السورية قد تتجه إلى تنفيذ عمليات محدودة تستهدف مناطق النفوذ التي يسيطر عليها الحزب داخل الأراضي السورية، ولا سيما في محيط القصير وبعض النقاط الحدودية الحساسة، في محاولة لضرب مصادر التهديد دون الانجرار إلى حرب مفتوحة مع لبنان.
وترافقت التطورات الميدانية مع ما نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية سانا عن الجيش السوري، الذي أعلن أنه رصد وصول تعزيزات تابعة لحزب الله إلى الحدود السورية - اللبنانية، مؤكداً أن القيادة العسكرية تقوم بتقييم الموقف عن كثب.
كما أوضح الجيش السوري أنه يجري اتصالات مع الجيش اللبناني بالتوازي مع دراسة الخيارات المناسبة لاتخاذ الإجراءات التي يراها ضرورية وفق تطورات الوضع.
وفي بيان آخر نقلته الوكالة نفسها، ذكر الجيش السوري أن عناصر من حزب الله أطلقوا قذائف باتجاه نقاط عسكرية قرب بلدة سرغايا، مشيراً إلى أن القذائف سقطت داخل الأراضي السورية.
بين الرواية السورية والواقع الميداني المتوتر، تبقى الأسئلة الكبرى مطروحة، حول حدود الدور الذي قد يذهب إليه حزب الله وحول قدرة الدولة اللبنانية على الإمساك بقرار الحرب قبل أن يصبح خارج السيطرة.