مع تصاعد التطورات العسكرية في إيران، تتجه الأنظار إلى المرحلة التالية من الحرب، بعد انتهاء المرحلة الأولى التي حملت ضربات واسعة للبنية العسكرية والقيادية للنظام. وتشير المعطيات إلى أن التحضيرات جارية لمرحلة جديدة يُتوقع أن تكون حاسمة وخلال مهلة زمنية قصيرة.
فالمرحلة الأولى تركّزت على ضرب البنية القيادية والعسكرية للنظام الإيراني، حيث تم استهداف مراكز القيادة والسيطرة التابعة للحرس الثوري، إلى جانب تدمير عدد كبير من القواعد الصاروخية التي قُدّر عددها بنحو 300 قاعدة. ويُفسَّر بذلك تراجع وتيرة إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل والقواعد الأميركية في المنطقة خلال اليومين الأخيرين. كما طالت العمليات عدداً من كبار القادة في إيران، فيما بقي في المشهد عدد محدود من المسؤولين البارزين، بينهم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ومسؤول الأمن القومي علي لاريجاني، والرئيس مسعود بزشكيان، ووزير الخارجية عباس عراقجي. ويشير تعيين مجتبى خامنئي مرشداً جديداً إلى استمرار النهج المتشدد، مع بقاء الحرس الثوري اللاعب الأساسي في إدارة السلطة.
في المقابل، طُرح في واشنطن خياران أساسيان للتعامل مع النظام الإيراني، إما تغيير سلوكه أو العمل على إسقاطه. وقد جرى خلال المرحلة الأولى التعويل على تبدّل في المزاج الشعبي داخل إيران، إلا أن هذا المسار لم يحقق النتائج المرجوة، ما دفع إلى الانتقال إلى مقاربة مختلفة تقوم على إسقاط النظام من الداخل. ويعتمد هذا السيناريو على عاملين أساسيين: حدوث انقسام بين الجيش النظامي والحرس الثوري، وتجدد الاحتجاجات الشعبية في الشارع الإيراني، وهو ما يتم العمل عليه على المستوى الاستخباراتي تمهيداً لتطورات داخلية كبيرة.
أما في لبنان، فتشير المعطيات إلى أن المسار العسكري قد يستغرق وقتاً أطول، في ظل استعداد إسرائيل لحملة مطوّلة ضد حزب الله قد تستمر حتى بعد انتهاء الحرب في إيران. وفي هذا السياق، تحظى إسرائيل بدعم واضح من الولايات المتحدة لإنهاء ملف سلاح حزب الله مهما كانت الكلفة. كما توقفت قنوات التواصل الأميركية مع الدولة اللبنانية ورئيس الجمهورية، رغم الاجتماع الذي عقده الأخير مع سفراء الدول لنقل رسائل وُصفت بالإيجابية، إلا أنها لم تُترجم عملياً على الأرض، ما أدى إلى تراجع الثقة بالدولة اللبنانية ومواقف مسؤوليها. وتشير المعطيات إلى أن واشنطن تركت الملف اللبناني لإسرائيل بهدف إنهاء مسألة سلاح حزب الله، وهو مسار قد يستغرق وقتاً إضافياً ويؤثر على مختلف الأوضاع في البلاد، بما فيها الاقتصادية.
كما يُخشى أن يؤدي طول أمد الحرب إلى انعكاسات أمنية داخلية، خصوصاً في المناطق التي استقبلت نازحين من القرى والبلدات الشيعية، حيث قد تتطور الاحتكاكات إلى اضطرابات أو مواجهات بين السكان والنازحين.
في المقابل، يبرز الحديث الإسرائيلي عن توسيع المنطقة العازلة في جنوب لبنان، وهو طرح قابل للتنفيذ وقد يصل عمقه إلى نحو 15 كيلومتراً وصولاً إلى منطقة الأولي، ما قد يخلّف دماراً واسعاً في البلاد، خصوصاً أن إسرائيل لم تعد تقبل بأي تهديد لأمنها.
أما التحذيرات الإسرائيلية الموجّهة إلى رئيس الجمهورية والحكومة اللبنانية، فقد تعني تجاوز الخطوط الحمراء وفتح الباب أمام استهداف البنى التحتية، التي لا تزال حتى الآن خارج دائرة الاستهداف بقرار أميركي، مع الإشارة إلى أن المعطيات قد تتبدل بين ساعة وأخرى.
وفي ما يتعلق بالدعوة إلى التفاوض التي أطلقها رئيس الجمهورية، تشير المعطيات إلى أن إسرائيل لن تقبل بأقل من مفاوضات تتناول اتفاق تطبيع العلاقات، إلى جانب ترتيبات أمنية وترسيم الحدود.
وفي سياق التطورات الإقليمية، يبرز احتمال سعي حزب الله إلى توسيع دائرة المواجهة وفتح جبهات جديدة وصولاً إلى الحدود الشرقية. وفي المقابل، أبلغ الرئيس السوري أحمد الشرع نظيره اللبناني استعداد بلاده للمساعدة شرط عدم قيام حزب الله بأي اعتداء على الأراضي السورية، محذّراً من أن أي استهداف من هذا النوع سيقابل برد قاسٍ. وتشير التقديرات إلى احتمال توجه الحزب نحو تصعيد الجبهة الشرقية تحت عنوان مواجهة التطرف السني وتنظيم "داعش"، في محاولة لجرّ لبنان وسوريا إلى الحرب وتبرير استمرار سلاحه. وفي المقابل، تبدو القيادتان اللبنانية والسورية على وعي بحساسية هذا السيناريو، إلا أن ذلك لا يعني أن دمشق ستبقى مكتوفة اليدين في حال تعرضت أراضيها لأي استهداف، إذ ستجد نفسها ملزمة بالدفاع عن سيادتها وأمنها.