يدخل ملف السلاح غير الشرعي مجدداً قلب النقاش القضائي والسياسي في لبنان، بعد الحكم الذي أصدرته المحكمة العسكرية بحق ثلاثة عناصر من حزب الله بجرم نقل أسلحة وذخائر عسكرية من دون ترخيص، وهي قذائف صاروخية ورمانات يدوية وأسلحة حربية وعتاد عسكري، حكمٌ رآه كثيرون أقرب إلى التخفيف منه إلى الردع، الأمر الذي أعاد فتح الباب واسعاً أمام تساؤلات حول مدى انسجام القضاء مع التوجهات التي أقرتها الحكومة في جلستها الأخيرة.
فالقضية لا تقف هنا، اذ ان الحكومة كانت قد ذهبت في اتجاه واضح يضع الحزب في خانة التنظيم العسكري الخارج عن القانون ما يعني عملياً أن مقاربة هذا النوع من الملفات يفترض أن تأتي أكثر تشدداً وانسجاماً مع القرار السياسي المستجد، وهو ما جعل الحكم الصادر مادة سجالية أعادت خلط الأوراق داخل المشهد القضائي.
التداعيات لم تتأخر كثيراً، فوزير العدل عادل نصار اتخذ خطوة لافتة بإحالته القاضي المدني المنتدب في المحكمة العسكرية عباس جحا إلى الجهات القضائية المختصة للتحقيق معه، على خلفية قرار إخلاء سبيل العناصر الثلاثة والاكتفاء بتغريم كل واحد منهم مبلغ تسعمئة ألف ليرة، خطوة فُهمت على نطاق واسع بأنها رسالة واضحة بأن المرحلة الجديدة لا تحتمل أي تساهل في ملفات تتصل بالسلاح أو الأمن.
في موازاة ذلك، كشفت مصادر حكومية رفيعة المستوى لموقع LebTalks عن أن توجهاً جدياً بدأ العمل به منذ اليوم يقضي بتشديد الادعاء في الجرائم المرتبطة بنقل الأسلحة أو حيازتها خارج الأطر القانونية، ترجمة مباشرة لقرار نصار، حيث تحرك القضاء سريعاً في هذا الاتجاه وادعى على عدد من الأشخاص تم توقيفهم وبحوزتهم أسلحة، وقد تبين أنهم ينتمون إلى حزب سياسي معروف.
وتوضح المصادر أن المقاربة القضائية الجديدة ترتكز على تشديد تطبيق المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة تعتمدها الدولة في زمن الحرب، وتنص على معاقبة كل من يعرض لبنان لخطر أعمال عدائية بالاعتقال الموقت، ما يفتح الباب أمام إحالة المدعى عليهم مباشرة إلى قاضي التحقيق باعتبار الفعل جناية لا مجرد جنحة.
هذه المادة ليست جديدة في الممارسة القضائية، فقد طُبقت سابقاً في قضية إطلاق صواريخ من جنوب لبنان قبل نحو عام، حين أوقف عدد من الفلسطينيين على خلفية تلك الحادثة التي عُرفت يومها بقضية "الصواريخ اللقيطة"، ما يعني أن القضاء يمتلك سابقة قانونية يمكن البناء عليها في مقاربة الملفات المشابهة.
وتتحدث المصادر الحكومية عينها بوضوح عن مرحلة مختلفة في التعاطي مع هذا النوع من القضايا، حيث لا مجال لتكرار ما حصل في الحكم الأخير، إذ إن خطأ الأمس لن يمر مرة ثانية هكذا تقول المصادر التي تشدد على أن أي ضغط سياسي لن يكون كافياً لتليين الموقف القضائي فالدولة في لحظة حساسة تتطلب وضوحاً في تطبيق القانون وحماية موقعها السيادي.
ضمن هذا المشهد، تبدو المؤسسة القضائية أمام امتحان دقيق بين نص القانون وميزان السياسة، وبين من يرى في الأحكام المخففة باباً لاهتزاز هيبة الدولة ومن يعتبر أن التشدد بات ضرورة لحماية لبنان من الانزلاق إلى صراعات أكبر امتحان ستكون نتائجه كفيلة بتحديد اتجاه المرحلة المقبلة في واحدة من أكثر القضايا حساسية في البلاد.