عودة: كم من اللبنانيين يحملون صلبان الفقر والحروب والدمار والتهجير

07

ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس. بعد قراءة الإنجيل ألقى عظة أبرز ما قال فيها: "تضع الكنيسة أمامنا، في منتصف مسيرة الصوم الكبير، الصليب الكريم المحيي، ليس من أجل أن نتذكره تاريخيا، بل كقوة حياة وسر خلاص.  ففي هذا الأحد الثالث من الصوم، أحد السجود للصليب المقدس، تدعونا الكنيسة إلى التأمل في معنى الصليب في حياتنا، مستندة إلى كلام الرب الذي سمعناه اليوم من إنجيل مرقس: من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني، لأن من أراد أن يخلص نفسه يهلكها ومن أهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل يخلصها. بهذه الكلمات يكشف الرب يسوع أن طريق التلمذة ليست طريق مجد أرضي أو راحة وحياة سهلة، بل هي طريق الصليب، أي طريق المحبة الباذلة نفسها من أجل الإخوة، طريق الطاعة لله حتى النهاية".

أضاف: "عندما نتأمل في هذه الكلمات في زمن الصوم، ندرك أن الصوم ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل هو مسيرة روحية نحو الصليب والقيامة. الكنيسة تضع الصليب في وسط الصوم لكي تشجعنا وتظهر لنا أن الطريق الذي نسلكه ليس طريقا عقيما، بل طريق حياة. فكما يستريح المسافر في الصحراء في ظل شجرة، كذلك يستريح المؤمن في ظل الصليب في منتصف الصوم. كلام الإنجيل قريب جدا من حياتنا في لبنان. فقد حمل اللبنانيون الصليب طويلا، وكم من الناس يحملون اليوم صلبانا ثقيلة: الفقر، والقلق على المستقبل، والحروب والدمار والتهجير وفقدان الأحبة، والخوف على الوطن. إن الأوجاع ليست غريبة عن خبرة الإنسان، لكنها قد تصبح طريق يأس إذا عاشها الإنسان وحده. أما عندما تحمل مع المسيح، فإنها تتحول إلى طريق رجاء. ربنا يسوع المسيح عاش الآلام والصلب والهزء والموت لكنه غلب الموت والجحيم وقام من القبر واهبا جنس البشر الحياة والخلاص. هذه الحقيقة تعزي المتألمين وتخفف كل ألم وحزن ويأس نمر به لأن لكل شيء نهاية، ونحن واثقون أن الرب يسوع لا يهمل خليقته ولا يخذل المتكلين عليه وهو القائل ثقوا، أنا قد غلبت العالم (يو16: 33 )".

أضاف: "إن الصليب الذي يحمله المسيحي ليس استسلاما للألم، بل شهادة إيمان. فالذي يحمل الصليب مع المسيح يعرف أن القيامة آتية. لذلك يقول الآباء إن الصليب هو رجاء الكنيسة ومجد المؤمنين. حين يسجد المؤمن للصليب لا يسجد للألم، بل للمحبة التي ظهرت على الصليب، لمحبة الله الذي بذل نفسه من أجل خلاص العالم. لذلك تدعونا الكنيسة، فيما هي تكرم الصليب في الأحد الثالث من الصوم، إلى أن يكون صومنا انخراطا في المحبة التي تجلت على الصليب، وتكثيفا لهذه المحبة التي تنتصر على الشر والظلم والحقد والكبرياء، وعلى كل الآفات التي تحكم هذا العالم.

وتابع: "تدعونا الكنيسة اليوم إلى تجديد التزامنا الروحي: أن نحمل صليبنا بالصبر والإيمان في عالم مادي متقلب، وأن نحافظ على الرجاء في وسط الظلمة. إن العالم قد يرى في الصليب علامة ضعف، لكن الإيمان يرى فيه علامة خلاص، ومن يسير خلف المسيح في طريق الصليب يصل معه إلى فرح القيامة".

وختم: "فلنسجد اليوم للصليب الكريم طالبين قوة من الرب لكي نحمل صلبان حياتنا بإيمان وثبات ورجاء. ولنتذكر أن المسيح الذي دعانا إلى حمل الصليب هو نفسه يسير معنا في الطريق. هو رئيس الكهنة الرحوم الذي يعضد ضعفنا ويهبنا نعمته. ومعه يصبح الألم طريق خلاص، والصليب باب القيامة والحياة الأبدية".

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: