افتتاحية LebTalks: "الحزب".. وتاريخ المماطلة بالتفاوض

jesh-hezeb

لطالما ركض حزب الله خلف طاولة التفاوض بعد فشله في الحرب، وكانت هذه الاستراتيجية متكررة طوال تاريخه. اعتمد الحزب أسلوب الدخول ضمنياً في الملفات الكبرى من دون التحرك المباشر، مع تحميل الآخرين مسؤولية المبادرة.

فبعد انسحاب إسرائيل من الجنوب عام 2000، بينما احتفل الشارع اللبناني بالنصر، كان الحزب يركّز في الواقع على تثبيت نفسه عسكرياً وسياسياً على الأرض، مستفيداً من اللحظة لفرض معادلة جديدة داخل لبنان. فبدلاً من الانخراط المباشر في ترتيبات ما بعد الانسحاب، ترك إلى حد كبير للدولة اللبنانية مهمة إدارة الملفات الرسمية، من تثبيت وقف إطلاق النار إلى الترتيبات الحدودية، بينما انصرف هو إلى حصد المكاسب وتعزيز حضوره العسكري والسياسي.

في العام 2006، خلال حرب تموز، لم يتحرك الحزب فقط على الأرض، بل استغل لاحقاً نتائج الحرب لتعزيز موقعه السياسي داخل لبنان وخارجه، سواء عبر الضغط على الحكومة اللبنانية في ملفات إعادة الإعمار أو عبر تحسين شروطه في أي حوار دولي يتعلق بلبنان. هذه السياسة تكشف بوضوح الميكانيكية الثابتة للحزب، مشاركة رمزية أولاً، مماطلة ثانياً، وانتظار لحظة قطف المكاسب قبل الانخراط في أي تفاوض جدي.

اليوم، يتكرر المشهد نفسه في ملف التفاوض المطروح مع إسرائيل. فالحزب يركض خلف فكرة التفاوض، لكنه يماطل ويرفض اتخاذ خطوات عملية، في حين يُحمّل الآخرين مسؤولية التقدم. والمفارقة أن إسرائيل نفسها ترفض حالياً مبدأ التفاوض المباشر، إلا أن مجمل التحركات، سواء الدولية أو داخل لبنان، وعلى رأسها تحركات الرئيس جوزاف عون، تسير باتجاه فتح هذا الباب.

وفي خضم هذا المشهد، يبرز التصريح اللافت لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي قال بوضوح إن إيران "لم تطلب أبداً وقف إطلاق النار، ولم تطلب حتى الدخول في مفاوضات"، مضيفاً أن طهران تريد عقد صفقة، لكنه لا يرى أن شروطها مناسبة بعد". هذا الموقف يعكس بوضوح العقيدة التفاوضية الإيرانية القائمة على إطالة الوقت والمماطلة إلى أن تتبدل موازين القوى وتتحسن الشروط.

هذه العقيدة نفسها تظهر بوضوح في سلوك حزب الله، الذي غالباً ما يعتمد النهج ذاته، تأخير التفاوض، رفع سقف المواجهة، وانتظار اللحظة التي تتيح له تحويل الضغط العسكري أو السياسي إلى مكاسب تفاوضية. لذلك يحاول الحزب اليوم أيضاً الإمساك بزمام المبادرة، كما حصل سابقاً في ملف ترسيم الحدود البحرية، حين سعى إلى فرض نفسه لاعباً أساسياً في مسار التفاوض.

إلا أن المعادلة هذه المرة تبدو مختلفة، إذ إن أي تفاوض محتمل سيحصل مع الدولة اللبنانية ومؤسساتها، لا مع الحزب مباشرة، خصوصاً في ظل الضغوط الدولية المتزايدة على لبنان.

في موازاة ذلك، يزداد القلق الدولي حيال الوضع اللبناني. فقد عبّر البابا لاوون الرابع عشر عن قلق بالغ إزاء ما يمر به لبنان، مؤكداً أن الوضع "مقلق جداً"، في وقت يحاول فيه الفاتيكان تكثيف اتصالاته وتدخله الديبلوماسي بطلب من فعاليات مسيحية ومن الدولة اللبنانية، في محاولة لمنع انزلاق البلاد نحو مزيد من التصعيد.

وفي هذا السياق، تأتي خطوات الرئيس جوزاف عون، حتى لو بدت متأخرة، كحركة استراتيجية ضرورية. فهي تضمن للبنان الاستفادة من أي فرصة تفاوضية محتملة، وتمنع الفراغ السياسي الذي قد تتركه المماطلة المستمرة. فالتحرك، ولو جاء متأخراً، يبقى أفضل من الجمود الكامل، خصوصاً في ظل الضغوط الخارجية المتزايدة والتهديدات الأمنية المستمرة.

لبنان اليوم يقف أمام واقع مزدوج، بين ضرورة الدفاع عن حقوقه وموارده الطبيعية، وبين التعامل مع استراتيجية المماطلة التي يعتمدها حزب الله، والمتقاطعة إلى حد كبير مع النهج التفاوضي الإيراني، في وقت تبقى فيه الكلمة الأخيرة على الأرض للاشتباكات والضغط بالنار الذي لم يتوقف بعد، ولم يُتخذ قرار حاسم بإنهائه.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: