وسط تضارب الروايات وتعدد التسريبات، يثبت مشهد الصاروخ الذي اعترض فوق بيروت حقيقة أبعد من تفاصيله التقنية أو الجهة التي أطلقته، لبنان دخل فعلياً في قلب ميدان الرسائل النارية بين إيران والولايات المتحدة، ومعهما أوروبا، حيث لم يعد الهامش الجغرافي كافياً لعزل الساحة اللبنانية عن صراعات الإقليم.
بالتالي، بعض المعطيات التي تسربت تلمح إلى أن المسار لم يكن لبنانياً بحتاً، وأن الوجهة قد تكون نحو قبرص، ما يعزز فرضية استخدام الأجواء اللبنانية كمعبر في لعبة الاشتباك المفتوح.
في هذا السياق، يقرأ النائب بلال الحشيمي المشهد من زاوية مختلفة، فيضع النقاش جانباً حول امتلاك حزب الله لقدراته العسكرية، ويركز على التحول الأعمق في بيئته السياسية والشعبية، حيث لم تعد الظروف كما كانت، ولم يعد المجال مفتوحاً أمامه كما في السابق، برأيه، طريقة تعاطي الحزب مع مسألة طرد السفير الإيراني لن تكون تقليدية، لأن ميزان القوة الذي كان يسمح بهوامش واسعة للمناورة تبدل، ولم يعد متاحاً استثمار الدولة اللبنانية بالقدر نفسه الذي كان قائماً في مراحل سابقة.
ويستعيد الحشيمي عبر موقع LebTalks محطات مفصلية للتدليل على هذا التحول، مشيراً إلى أن الوقائع التي تلت أحداث السابع من أيار كرست مساراً انتهى بتراجع أدوات الهيمنة، وأن الضغوط المتراكمة، سواء الميدانية أو السياسية دفعت الحزب إلى موقع دفاعي أكثر منه هجومي.
ويذهب أبعد من ذلك حين يربط مستقبل الحزب بمسار التفاوض المحتمل بين طهران وواشنطن، حيث قد تُطرح مسألة الأذرع الإقليمية على طاولة التنازلات تحت وطأة الخسائر والضغوط، الذي قد يضع الحزب أمام احتمالات غير مريحة.
وفي توصيفه لسلوك إيران في المرحلة الأخيرة، يتحدث الحشيمي عن فقدان واضح للتماسك في إدارة الاشتباك، مع اتساع رقعة الضربات لتطال الخليج وتصل ارتداداتها إلى بيروت، والذي يعكس توتراً عالياً وانكشافاً في الحسابات.
في المقابل، يلفت إلى أن الحزب يواجه استنزافاً قاسياً في مواجهته مع إسرائيل، الأمر الذي يجعله أقل ميلاً لفتح جبهة داخلية لأن كلفة ذلك ستكون مضاعفة في هذا التوقيت.
أما في ما يخص السيناريوهات الحكومية، فيستبعد الحشيمي خيار الاستقالة من قبل وزراء الحزب، معتبراً أن وجوده داخل الحكومة لم يعد تفصيلاً، انما ضرورة استراتيجية للحفاظ على الحد الأدنى من التأثير، بالتالي أي خروج وفق قراءته، يعني خسارة آخر أدوات الضغط المتبقية، ما يدفعه إلى ترجيح مسار مختلف قوامه رفع السقوف في الخطاب وممارسة ضغوط محسوبة داخل المؤسسات من دون الذهاب إلى مواجهة مفتوحة.
وفي قراءة تقنية لحادثة الصاروخ، يتعامل الحشيمي معها كجزء من واقع أوسع تعيشه المنطقة، حيث لم تعد هذه الحوادث استثناءً، سواء في البقاع أو في غيرها من المناطق، مع ازدياد وتيرة الصواريخ الاعتراضية وما يرافقها من مخاطر سقوط الشظايا، فالخطر كما يراه، لا يكمن فقط في الصاروخ نفسه، لا بل في أي خلل في التوازنات قد يدفع البلاد إلى منزلق خطير، وهو ما يفرض أعلى درجات الحذر في إدارة هذه المرحلة الدقيقة.