حادثة ساحل علما.. هل أطلقت إيران الصاروخ فعلاً من لبنان؟

jounieh

لم يعد مُمكناً التعامل مع ما حصل فوق سماء كسروان أمس على أنّه حادث عابر أو خطأ تقني في مسار صاروخ. ما جرى هو تطوّر خطير وغير مسبوق، نقل نار الصراع إلى منطقة لطالما اعتُبرت خارج نطاق المواجهة، وزجّ بأهالي جونية وحارة صخر وساحل علما وكفردبيان وغيرهم في قلب مشهد أمني لم يختاروه يوماً.

شظايا الصاروخ التي حطّمت النوافذ وبثّت الذعر في البيوت، لم تكن مجرد بقايا اعتراض جوي، بل رسالة قاسية بأنّ لبنان لم يعد بمنأى عن حسابات إقليمية تُدار فوق رؤوس أبنائه.

تعدّد الروايات حول هوية الصاروخ وهدفه، من احتمال استهداف السفارة الأميركية في عوكر إلى فرضية اعتراضه من البحر، لا يغيّر في جوهر المشهد: هناك من لا يزال يصرّ على استخدام الأراضي اللبنانية منصة تصفية حسابات، ضارباً عرض الحائط بسيادة الدولة وسلامة مواطنيها. وفي وقت تتخذ فيه الحكومة مواقف يُفترض أنها تعيد الاعتبار للقرار اللبناني، يأتي الردّ عملياً عبر تعريض مناطق بأكملها للخطر.

في السياق أشار الخبير العسكري طوني أبي سمرا في حديث خاص لموقع LebTalks إلى أن "ما حصل أمس هو رسالة تتجاوز الهدف التكتيكي المباشر، بغضّ النظر عمّا تحقّق ميدانياً"، مشدّداً على أنه "لم يكن المقصود تدمير الهدف بحدّ ذاته، بل لتثبيت النفوذ الإيراني وتحدّي الدولة".

وتابع: "سواء أُطلق الصاروخ من إيران أو من البقاع، فإن هذا القرار لا يُتخذ إلا بإرادة وموافقة إيرانية لأن التأثير في الداخل اللبناني جزء أساسي من الاستراتيجية الإيرانية، لافتاً إلى أنني "أستبعد أن يكون الصاروخ قد أُطلق من طهران".

أضاف أبي سمرا: "مع ذلك، يبقى احتمال أن يكون مصدره إيران قائماً، تفادياً لإحراج حزب الله أمام الداخل اللبناني". ورأى أيضاً أن "من المحتمل أن يكون قد أُطلق من الأراضي اللبنانية لتأكيد حضور الحرس الثوري الإيراني".

وأكّد أنه "تتوافر احتمالات وأسباب تبرّر إطلاق الصاروخ، سواء من إيران أو من لبنان"، كاشفاً عن أن "إيران تسعى إلى إظهار قدرتها أمام إسرائيل والولايات المتحدة على التأثير في أهدافهما داخل لبنان والتصعيد عند الحاجة".

وبهذا، تطرّق أبي سمرا إلى ملف المفاوضات المُنتظرة، وقال: "طهران قد تستخدم هذه الورقة كنقطة ضغط في أي محادثات مع الجانب الأميركي".

وشدّد على أنه "يمكن استخلاص أن حزب الله وإيران يشكّلان مسرحاً واحداً، كما كان يُعبّر حسن نصرالله في إطار مفهوم وحدة الساحات". أضاف: "يُعدّ لبنان، وفق هذا المفهوم، جزءاً لا يتجزأ من هذه الوحدة، سواء في سياق السلام أو التصعيد".

وأوضح أبي سمرا أن "إدراج لبنان ضمن "وحدة الساحات" مع إيران يدفع إسرائيل إلى التصعيد والضغط ميدانياً وعلى الحكومة اللبنانية والجيش لاتخاذ موقف واضح بشأن السيادة"، مشيراً إلى أن "إيران تضع لبنان في خط مواجهة مباشر مع إسرائيل والولايات المتحدة".

وانتقل أبي سمرا في حديثه إلى قرار الوزير يوسف رجي واصفاً إياه بـ"الجريء"، وقال: "من الممكن ربط هذه الحادثة بقرار الحكومة طرد السفير الإيراني".

واعبتر أن "رجّي "حط الإصبع على الجرح" من خلال هذا القرار، واضعاً الحكومة وحزب الله في الوقت نفسه أمام موقف صعب.

تابع: "يبقى السؤال: هل الحكومة مستعدة لاستخدام كامل صلاحياتها في مواجهة المشروع الإيراني في لبنان؟ يشكّل ذلك تحدياً كبيراً للدولة اللبنانية".

ثمّ أوضح أن "في حال غادر السفير الإيراني الأراضي اللبنانية، ستكون هذه "خسارة ما بيقدر يحملها" الحزب. أما إذا لجأ إلى إجراءات ميدانية ردّاً على ذلك، كإطلاق صواريخ أو تكرار سيناريو شبيه بـ7 أيار، فقد ينزلق إلى خطوات خطيرة في المدى المنظور".

أما إذا غادر السفير، فقال أبي سمرا: "هيدي أزمة لحزب الله"؛ وإذا بقي، قال: "هيدي أزمة للدولة".

وفيما يخص مسألة الاعتراض، أكّد أن "الصاروخ الاعتراضي الذي أُطلق أمس انطلق من البحر، وقد يكون تابعاً لقوة فرنسية أو أميركية أو حتى إسرائيلية. لذلك، على إيران وحزب الله إدراك أن استخدام القوة داخل لبنان سيقابله وسائل ردع لا يمكن التأثير عليها مباشرة".

وختم أبي سمرا بالقول: "من الضروري تتبّع مسار الصاروخ لتحديد الهدف المحتمل، سواء كان السفارة الأميركية في عوكر، أو قاعدة حامات الجوية، أو موقعاً آخر".

بالمختصر المفيد، حادثة كسروان لا يمكن فصلها عن واقع بات واضحاً: دولة تُنتهك سيادتها، وقرارها مُصادَر، وشعب يُدفع ثمن صراعات لا علاقة له بها. حزب الله، الذي يصرّ على إبقاء لبنان في قلب المحاور الإقليمية، في استخفاف واضح بأمن اللبنانيين وحياتهم.

إن ترك لبنان رهينة لهذا النهج يعني عملياً التخلي عن فكرة الدولة نفسها، وتحويل السيادة إلى مجرّد شعار فارغ. من هنا، لا يمكن النظر إلى خطوة رجّي إلا كبداية مسار، لا كنهايته. فإما أن تستعيد الدولة قرارها بالكامل وتفرض سلطتها على كامل أراضيها، أو يبقى لبنان ساحة مفتوحة تُدار من الخارج، حيث الصواريخ تُطلق والرسائل تُمرَّر، فيما اللبنانيون يدفعون الثمن وحدهم.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: