في لحظة يُفترض أن تكون فيها الحكومة في أعلى درجات الجهوزية لمواجهة التحديات الأمنية والسياسية المتراكمة، اختار وزراء ثنائي أمل - حزب الله الغياب. غيابٌ لم يكن تفصيلاً، بل موقفاً سياسياً واضحاً يحمل في طياته رسائل تتجاوز حدود مجلس الوزراء، لتصل إلى مفهوم الدولة نفسها.
جلسة خُصصت لبحث شؤون أمنية حساسة ومرتبطة بالمرحلة الراهنة، في بلدٍ يقف على حافة التصعيد، كان يفترض أن تكون أولوية وطنية جامعة.
لكن المقاطعة جاءت لتؤكد مرة جديدة أن حسابات "الثنائي" لا تقاس دائماً بميزان المصلحة اللبنانية، بل تتقاطع، في كثير من الأحيان، مع أولويات إقليمية معروفة، وفي مقدّمها المصالح الإيرانية.
في المقابل، برز موقف الوزير الشيعي الخامس فادي مكي كحالة استثنائية داخل هذا المشهد. فرغم اعتراضه، حضر. لم يختبئ خلف شعار المقاطعة، ولم يساير منطق التعطيل، بل اختار أن يتموضع حيث يجب أن يكون أي مسؤول في لحظة أزمة: داخل الدولة، لا خارجها. برّر مشاركته بإيمانه بأن البلد لم يعد يحتمل مزيداً من الشلل، وأن انتظام العمل العام ضرورة وطنية، لا خياراً سياسياً.
قد يحاول البعض التقليل من أهمية هذه الخطوة، أو ربطها بإيعازٍ من رئيس مجلس النواب نبيه بري لكسر حالة الجمود و"كسر الشر"، الأمر الذي اعتاد الجميع عليه، لكن حتى في هذا الإطار، يبقى الفعل بحد ذاته دلالة. لأن المشكلة في لبنان لم تعد فقط في القرارات الكبرى، بل في الجرأة على اتخاذ أي قرار خارج الاصطفاف التقليدي.
وهنا تحديداً تكمن قوة ما فعله مكي. في نظام مشلول بالتوازنات، تصبح أي خطوة خارجة عن السياق حدثاً. وفي بيئة سياسية تميل إلى الانضباط الصارم، يتحول الاختلاف إلى فعل استثنائي.
لذلك، لم يكن حضوره عادياً، بل شكّل ضربة سياسية وإعلامية لمقاطعة وزراء "الثنائي"، وفتح الباب أمام سؤال أكبر، من يمثل فعلياً مصلحة الطائفة، ومن يستخدمها كغطاء؟
وزراء "الثنائي" قد يبرّرون غيابهم بمواقف سياسية أو اعتراضات مبدئية، لكن الواقع أبسط من ذلك بكثير، حين يكون البلد أمام تحديات أمنية مصيرية، لا يُبرَّر الغياب. وحين تكون المؤسسات مهددة بالشلل، لا يُبرَّر التعطيل. لأن أي خطوة من هذا النوع لا تُقرأ إلا كإضعاف متعمّد للدولة، وكاستمرار في تكريس منطق الدويلة على حساب الشرعية.
في المقابل، أعاد فادي مكي، ولو جزئياً، الاعتبار لفكرة أن داخل الطائفة الشيعية نفسها مساحة قرار مختلفة، وأن "الثنائي" ليس الصوت الوحيد. وهذا بحد ذاته تطور سياسي مهم، حتى لو كان في بداياته.
قد لا يكون مكي قد قلب المعادلة، لكنّه بالتأكيد أحدث خللاً فيها. وفي لبنان، أحياناً يكفي خلل صغير في التوازن، ليكشف حجم الأزمة الحقيقية.
لهذا، لم يكن مجرد وزير حضر جلسة، بل كان فعلاً "الوزير الملك" الذي، في لحظة دقيقة، اختار أن يرجّح كفة الدولة على كفة التعطيل، ويقول، بالفعل لا بالكلام، إن لبنان لا يُدار بالمقاطعة، بل بالحضور.