في أماكن لجأ إليها الناس هرباً من الحرب، يتسلّل عنفٌ آخر بصمت. داخل مراكز الإيواء في لبنان، حيث يضيق المكان وتثقل النفوس، تتحوّل بعض الزوايا إلى مسرح لعنفٍ أسريّ خفي، يطال الأضعف ويضاعف وجع النزوح. بين خوف الخارج وصمت الداخل، تُطرح أسئلة مُلحّة: من يحمي هؤلاء؟ ومن يضع حدّاً لهذا الألم غير المرئي؟
في التفاصيل، أعلنت الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية بحديث خاص لموقع LebTalks أنّه، في ظلّ الحرب الحالية في لبنان ومنذ 2 آذار، اضطرّ أكثر من مليون ومئة ألف شخص إلى النزوح، مشيرةً إلى أنّ من بينهم نحو 620 ألف امرأة وفتاة، ولفتت إلى أنّ 85% منهنّ يعشن خارج مراكز الإيواء الرسمية، في شقق مكتظّة وظروف معيشية صعبة تفتقر إلى الحماية.
وأوضحت الهيئة أنّ المخاوف من العنف الأسري تتزايد مع تفاقم الأزمات والنزوح، لافتةً إلى أنّ الضغوط المعيشية والنفسية، إلى جانب فقدان مصادر الدخل، تسهم في تصاعد التوتر داخل الأسر، ما قد ينعكس في أشكال عدّة من العنف. كما بيّنت أنّ ظروف الاكتظاظ وغياب الخصوصية، إضافةً إلى الهشاشة التي تعيشها النساء والفتيات، تزيد من تعرّضهن لمخاطر العنف، بما في ذلك التحرّش والعنف الجنسي.
أمّا في ما يتعلّق بالأرقام، فأشارت الهيئة إلى أنّ المرجع الرسمي هو بيانات قوى الأمن الداخلي، مؤكدةً صعوبة إحصائها حالياً.
كيف يتم دعم وتمكين النساء النازحات؟
وفي سياق متصل، لفتت الهيئة إلى أنّ وزارة الصحة توفّر خدمات عبر الخطوط الساخنة 1787 و1214 المخصّصة للنازحين، إلى جانب الدعم النفسي عبر الخط الوطني 1564 وبرنامج "خطوة خطوة"، الذي يساعد على التعامل مع الضغوط والتحديات.
كما أكدت الهيئة أنّها تعمل، بالتنسيق مع الجهات المانحة، على تأمين مستلزمات نظافة وتوزيعها على النساء في مراكز الإيواء.
وأضافت أنّها تُعِدّ مشروعاً يهدف إلى تمكين النساء النازحات في لبنان، من خلال برنامج تدريبي يطوّر مهاراتهن الاقتصادية، ويعزّز قدراتهن على التكيّف مع تداعيات الحرب والأزمات، ويتيح لهن الوصول إلى فرص لتأمين الدخل.
"كفى" عنف ونزوح!
في هذا الإطار، تواصل موقع LebTalks مع منظمة "كفى" والتي أكّدت أنّه، وعلى عكس ما قد يكون متوقّعًا، فإنّ الأرقام المرتبطة بالاتصالات الواردة حول حالات العنف الأسري إلى الجمعية كانت شبه منعدمة منذ بداية الحرب. وأوضحت أنّ هذا التراجع لا يعني بالضرورة انخفاضًا في معدلات العنف، بل قد يكون مؤشرًا على صعوبة الوصول إلى خدمات الدعم أو تردّد الضحايا في طلب المساعدة في ظلّ الظروف الراهنة.
وشدّدت "كفى" على أنّ الأزمات، مهما اشتدّت، يجب ألّا تمنع النساء من التبليغ عن العنف بكافة أشكاله، داعيةً إلى طلب المساعدة عبر الاتصال بقوى الأمن الداخلي على الرقم المخصّص للعنف الأسري 1745، أو التواصل مع الجمعية على الرقم 019 018 03، أو من خلال تطبيق "نَفَس" الذي يتيح التبليغ بشكل آمن وسري.
في ظلّ النزوح، لا يتوقف الألم عند الحرب، بل يمتدّ بصمت داخل البيوت المكتظّة. وبين الخوف والسكوت، تبقى النساء والفتيات الأكثر حاجة إلى حمايةٍ تُعيد لهنّ الأمان والكرامة، وتكسر دائرة العنف التي لا تُرى لكنها تُوجع.