رداً على "الحزب": المفاوضات قانونية ولا حاجة لتعديل دستوري أو تشريعي

85

لا يزال حزب الله يُغرّد خارج المنطق والواقع والنصوص، ويُحرّف الدستور والقوانين، وينتهج أسلوب تفكيرٍ منافٍ لأبسط القواعد العلمية. وآخر ابتداعاته اعتباره المفاوضات التي بدأها لبنان مع إسرائيل في واشنطن خرقاً فادحاً للدستور والنصوص القانونية.

فردّاً عليه وتصحيحاً للمغالطات الجمّة الواردة في موقفه، يجب توضيح بالآتي:

أولاً: عندما فاوض الحزب، من خلال الأخ الأكبر رئيس مجلس النواب نبيه بري، إسرائيل لترسيم الحدود البحرية، لم نسمع موقفاً للحزب يعتبر التفاوض غير دستوري أو غير قانوني أو مخالفاً لقانون مقاطعة إسرائيل. ونُذكّر الحزب بأن الرئيس بري وقّع على اتفاق الترسيم بين الجمهورية اللبنانية ودولة إسرائيل. وقد وافق الحزب على هذه الاتفاقية، كما على مفاوضاتها، من دون أن يرفّ له جفن، علماً أن المفاوضات حينها، كما اتفاقية الترسيم، خالفتا الدستور والنصوص القانونية، ومنها قانون مقاطعة إسرائيل، لأن المفاوضات كان يجب أن يتولاها دستورياً رئيس الجمهورية لا رئيس مجلس النواب، طبقاً لنص المادة 52 من الدستور، كما أن الاتفاقية لم تُعرض حتى الساعة، ومنذ ذلك التاريخ، على مجلس النواب لمناقشتها وإبرامها وفقاً للمادة نفسها. ومع ذلك، سار الثنائي الشيعي بالاتفاقية، وحصل ما حصل.

وبالتالي، سبق الفعل من قبل الحزب بخرق قانون مقاطعة إسرائيل، كما خالف صلاحيات رئيس الجمهورية، فنرجو ألا يأتينا باجتهادات ومواقف أقل ما يُقال عنها غوغائية وشعبوية، كي لا نقول أكثر.

ثانياً: نحن أمام مرحلة مفاوضات من أجل إنهاء الحرب المدمّرة التي تُشن على لبنان، دولةً وشعباً ومؤسسات، من قبل إسرائيل، بفعل ارتهان الحزب لأجندة ولاية الفقيه في إيران، والتي ارتدّت وترتدّ وبالاً على اللبنانيين منذ "إسناد غزة" إلى يومنا هذا، بإسناد نظام الملالي في إيران. وبالتالي، فإن مرحلة التفاوض، بموجب المادة 52 فقرة 1 من الدستور، والتي يتولاها حصراً رئيس الجمهورية جوزف عون، وهي في صلب صلاحياته، هي مفاوضات تتناول وقف إطلاق النار وتأمين انسحاب إسرائيل من لبنان (التي أدخلها الحزب إلى لبنان تحت شعار المقاومة)، والتوصل إلى ضمان عدم تكرار المغامرات العبثية للحزب على أرض لبنان.

وبالتالي، ليس هناك من تنازلات من لبنان عن أي شبر من أراضيه، ولا تنازل عن أي سيادة، بل على العكس، هي ممارسة سيادية كاملة للدولة اللبنانية، منعاً لتمكين الغير من التفاوض عنها.

ثالثاً: مجلس النواب لا يتدخل دستورياً في موضوع الاتفاقيات الدولية إلا عندما تقرر الحكومة اللبنانية اطلاعه عليها، حينما تمكّنها من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة، باستثناء المعاهدات التي تنطوي على شروط تتعلق بمالية الدولة، والمعاهدات التجارية، وتلك التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، حيث يلزم لإبرامها موافقة مجلس النواب. والمادة 52 واضحة في هذا الإطار، إلا أنه لا يبدو أن الحزب يفقه قراءتها، معتمداً في خطابه على التحريف والتشويه والغوغائية الشعبوية.

ونُذكّر الحزب، الذي لا يقرأ جيداً النصوص، أن إبرام المعاهدات الدولية، بموجب المادة 52 من الدستور، منوط بمجلس الوزراء، بعد تولّي رئيس الجمهورية صلاحية المفاوضة وتعيين من يمثّله في تلك المفاوضات. وبالتالي، فإن إبرام الحكومة اللبنانية كافٍ دستورياً لسيرورة أي اتفاق نهائي وقابل للتنفيذ، إلا في الحالات التي ذكرها النص الدستوري والتي أضأنا عليها أعلاه.

وبالتالي:

1- المفاوضة من صلاحيات رئيس الجمهورية

2- إبرام المعاهدات من صلاحية مجلس الوزراء

3- إقرار مجلس النواب للمعاهدات محدد في أنواع من المعاهدات التجارية والمالية النتائج والتي لا يمكن فسخها سنة فسنة

رابعاً: أما في ما خصّ قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955، وهو تشريع يحظر أي تعامل تجاري أو مالي أو شخصي مع إسرائيل، واستيراد المنتجات الإسرائيلية، والتعامل مع مؤسساتها أو الانخراط في أي تطبيع، فلا علاقة لهذا القانون بواقع التفاوض الحالي على انسحاب إسرائيل من لبنان ووقف النار مؤقتاً ثم نهائياً. ونُذكّر الحزب أن المفاوضات هي بين دولة محتلة ودولة أخرى، وأن التفاوض يهدف إلى إنهاء الاحتلال، لا إلى إقامة علاقات أو إبرام سلام. بل هو تفاوض لإنهاء احتلال ووقف النار، والتفاوض على هذين الهدفين أمر طبيعي، لا علاقة له بقانون مقاطعة إسرائيل. وبالتالي، فإن مجال تطبيق هذا القانون مغاير تماماً لأهداف التفاوض الحالي، وهو لا يمتّ بصلة إلى التفاوض ولا يمنعه، ولا علاقة له بالمفاوضات لتحرير الأرض ووقف الحرب التي تشنها على لبنان دولة معادية.

وبالتالي، فإن كل سردية حزب الله المناهضة للتفاوض هي سردية تفتقد إلى أدنى مقومات المنطق والقانون والصحة، وهي سردية لا تهدف إلى حماية مصالح لبنان كما يزعم باطلاً، بل إلى منع لبنان من التفاوض عن نفسه بنفسه لتأمين مصالحه العليا، لا مصالح الآخرين على حساب مصالحه.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: