في وقت تتسارع فيه الأحداث السياسية والامنية وتغيب أي حلول جدية أقله حتى الآن، تبقى العين على الاستثمارات العربية في لبنان وتحديداً الاستثمارات الخليجية التي طالما شكلت العمود الفقري لصمود الاقتصاد اللبناني رغم الاهتزازات التي شهدها البلد على كل المستويات.
فصحيح أن لدول الخليج علاقات تاريخية بلبنان وهي علاقات مرتبطة بالعاطفة والثقافة الى حد كبير، لكن لهذه الدول وللمستثمرين فيها مصالح وحسابات واقعية تتخطى العاطفة الى حد كبير، خصوصاً مع حصول تغييرات كبرى في لبنان في السنوات الاخيرة أبرزها سيطرة حزب الله على مؤسسات الدولة مما أدى الى انتشار الفساد والهدر فيها الى حد بعيد، والهجوم السياسي التي كانت تتعرض له دول الخليج بشكل منظم ومدرس من قبل الحزب، إضافة الى وجود خلايا إرهابية تابعة للحزب في بعض هذه الدول وهو ما فاقم الامور وحوّل البلد الى بيئة غير مطمئنة للاستثمار الخليجي والى حد كبير.
وفي هذا المجال يقول وزير الاقتصاد والتجارة السابق أمين سلام، إن المعلومات الدقيقة المتوافرة تشير إلى أن خروج أو تجميد جزء كبير من الاستثمارات الخليجية لم يكن نتيجة عامل واحد، بل نتيجة تراكم: الانهيار المالي منذ ٢٠١٩، القيود المصرفية، غياب الإصلاحات، تراجع حكم القانون، تفشي الفساد، والمخاطر الأمنية والسياسية، قبل الأزمة. فقد كان لبنان يستقطب تدفقات استثمار أجنبي مهمة بلغت نحو ٢.٨٨ مليار دولار في ٢٠١٨، أما بعد الأزمة فتراجعت الثقة الاستثمارية بشكل حاد، رغم بعض التحسن الرقمي المحدود في ٢٠٢٣ و ٢٠٢٤.
الى ذلك يربط سلام الذي يعتبر مرجعاً اقتصادياً كبيراً في هذا الموضوع بين خروج الاستثمارات الخليجية أو تجميدها ومواقف بعض الاطراف اللبنانية من هذه الدول، فيشدد على أنه لا يمكن فصل العامل الاقتصادي عن العوامل الاخرى أبداً.
ذلك أن دول الخليج تنظر إلى الاستثمار ليس فقط من زاوية الربح، بل من زاوية السيادة والأمن والاستقرار السياسي، فعندما يشعر المستثمر أن الدولة غير قادرة على ضبط الامن أو منع استخدام لبنان كساحة تصفية حسابات تحديداً ضد الخليج، فإن القرار الطبيعي يكون الانسحاب أو التجميد.
الى ذلك يشدد سلام على أن خروج هذه الاستثمارات أو تجميدها كان له انعكاساً كبيراً جداً على البلد لأن الخسارة ليست فقط رؤوس أموال، بل خسارة الثقة وهو الامر الاهم، لقد كانت الاستثمارات الخليجية والسياحة الخليجية تاريخياً من أسرع مصادر الدولار (الفريش) وفرص العمل، فالسياحة وحدها توصف بأنها من أسرع أدوات إنعاش الاقتصاد اللبناني، وقد كانت تمثل حصة وازنة من الناتج المحلي. كما أن البنك الدولي قدّر خسائر قطاعات التجارة والصناعة والسياحة بسبب الحرب الأخيرة بنحو ٣.٤ مليارات دولار، ضمن حاجات تعافٍ وإعمار أوسع تُقدّر بـ١٥ مليار دولار.
شروط العودة
واعتبر سلام أن عودة الأمن هو شرط لعودة الاستثمارات الخليجية لكن ليس وحده، فتحسن الأمن شرط أساسي، لكنه غير كافٍ، المستثمر الخليجي قد يعود تدريجياً إذا لمس ثلاثة أمور واضحة: استقرار أمني فعلي، قرار سياسي لبناني يعيد بناء الثقة مع الخليج، وإصلاحات جدية في القضاء والمصارف والإدارة العامة، فهذه هي الأسس الطبيعية لأي بلد يسعى إلى جذب الاستثمارات ورؤوس الأموال التي تحتاج لسنوات طويلة من العمل الجاد، "وكما نعلم جيداً ان الثقة تنال ولا تقدّم"، إن العودة لن تكون عاطفية أو فورية، ستكون اختبارية، تبدأ بالسياحة، ثم الفنادق والعقار والخدمات، ثم الاستثمارات الكبرى فقط إذا ثبت وبشكل قاطع وثابت أن الدولة استعادت قرارها وهيبتها.
قضية خلف الحبتور
وتطرق الوزير سلام الى موضوع المستثمر الإماراتي خلف الحبتور الذي أقفل فندقه بشكل كامل نهاية شهر أيار الماضي فيؤكد أنه و بحسب المعلومات المنشورة، أعلنت مجموعة الحبتور الإماراتية أنها ستتخذ إجراءات قانونية ضد السلطات اللبنانية على خلفية خسائر استثمارية قالت إنها تتجاوز ١.٧ مليار دولار، وربطت المجموعة الخسائر بالقيود المصرفية، عدم حماية الاستثمارات، عدم الاستقرار، والحملات التي قالت إنها استهدفت أعمالها، كما أعلنت لاحقاً إقفال عملياتها في لبنان وتسريح الموظفين.
واذ اعتبر أن هذه القضية خطيرة لأنها لا تتعلق بمستثمر واحد فقط، بل بصورة لبنان الاستثمارية أمام الخليج والعالم، قال سلام: اذا شعر المستثمر العربي أن الدولة لا تحميه، وأن النظام المصرفي لا يحفظ أمواله، وأن القضاء لا يؤمن له إنصافاً سريعاً وشفافاً، فسيصبح لبنان في نظره بلداً عالي المخاطر، مهما كانت جاذبيته التاريخية والثقافية.
وختم وزير الاقتصاد والتجارة السابق امين سلام، كما نعلم أن السيد خلف الحبتور ومجموعة الحبتور هي من اهم وأكبر المستثمرين العرب وتحديداً الخليجيين في لبنان منذ عقود طويلة او منذ نصف قرن تقريباً، ويعتبر من العواميد الأساسية لمؤشر الاستثمارات الاجنبية في لبنان وخصوصاً وانه ممن آمنو بلبنان رغم الأزمات المتتالية لعقود طويلة وصبر وجازف ورفض رغم كل التحديات ان يتخلى عن لبنان، ولكن للصبر حدود وخاصةً عندما شعر ان الموضوع لم يعد مجرد تحديات سياسية او اقتصادية في لبنان بل وصل إلى مرحلة فقدان الثقة بشكل عام وبالتالي من الطبيعي اللجوء إلى توقف العمل، وسحب الاستثمارات وحماية الحقوق.