ثلاثة أسباب تعرقل وقف إطلاق نار شامل في لبنان

photo-ar-ceasefire-in-lebanon-comes-into-effect

بداية سريان الهدنة لا تبدو مطمئنة، وتثير المخاوف من استنساخ تجربة الهدنتَين السابقتَين اللتَين حكمهما تصعيد كبير، وربما بتصعيد أكبر ربطاً بالغليان الخطير للميدان الحربي. وهذا الواقع كما يقول مصدر رسمي: «يعزّز الخشية من وجود إرادة خفية ومبيّتة لوضع المفاوضات برمّتها على منصة التصويب، و»قصفها» بالتصعيد المتعمَّد للأعمال العدائية على ساحة لبنان، في الوقت الذي يعوِّل فيه لبنان على أن تؤسّس هذه المفاوضات لوقف الحرب بصورة نهائية، وتحقيق الهدف الإجماعي بوقف إطلاق النار وانسحاب الجيش الإسرائيلي وإطلاق الأسرى وعودة النازحين والإعمار، وبسط الدولة سلطتها وسيادتها كاملة عبر الجيش اللبناني، في منطقة جنوب الليطاني وصولاً حتى خط الحدود الدولية».

وعلى ما يقول مسؤول رفيع إنّ «الواقع الحربي القائم، وبلا أدنى شك، يُحبِط الآمال التي بُنِيت على جولة المفاوضات الأخيرة، التي استُتبِعت في الأيام الأخيرة بإشارات واضحة من قِبل المعنيِّين الأساسيِّين بهذه المفاوضات، وصفت بالإيجابية، وأوحت بوجود توجّه جدّي نحو «هدنة هادئة». وهو أمر يلبّي في جانب أساسي منه مطلب وغاية لبنان الرسمي، الذي أكّد الالتزام بوقف إطلاق النار من الجانب اللبناني، وذلك بناءً على الاتصالات التي جرت بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، وبين الرئيس بري و»حزب الله»، الذي أكّد التزامه وقف النار في حال التزمت إسرائيل بذلك».

وعلى رغم من حماوة الميدان، كشفت مصادر مطلعة عن أنّ حركة الاتصالات الرسمية، وخصوصاً على مستوى رئاسة الجمهورية، ظلّت مستمرة على أكثر من خط خارجي، ولاسيما في اتجاه الولايات المتحدة، عبر سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوّض، للتأكيد المتكرّر على الموقف اللبناني وأولوية الوقف الشامل والكامل لإطلاق النار.

وتحدّثت المصادر عن «رفض رسمي لتقطيع الوقت في هدنة هشّة غير محترمة، ورهان على تدخّل عاجل من قبل الراعي الأميركي للمفاوضات، لحمل إسرائيل على احترام الهدنة والتقيُّد بمندرجاتها»، لافتةً إلى «مخاوف جدّية تعتري المستوى الرسمي، من أن يؤدّي تفاقم العمليات العسكرية، خصوصاً من جانب إسرائيل، ليس إلى انزلاق الأمور إلى مديات خطيرة فحسب، بل إلى وضع تعقيدات ومطبّات في مسار المفاوضات».

ويبرز في هذا السياق، قول مرجع كبير «الصورة واضحة ولا لبس فيها، لبنان يريد وقف إطلاق النار، وكل مستوياته السياسية والحزبية تؤكّد على الإلتزام به، فيما إسرائيل ترفض ذلك، وتقول باستمرار التصعيد والإعتداءات ونسف القرى ومحاولات التوغّل المتواصلة نحو شمال الليطاني. أمام هذه الصورة، هناك حالة واحدة ليَثبت وقف إطلاق النار وإلزام كل الأطراف به، وهي أنّ القرار بوقف النار رهن بكلمة واحدة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فهو الوحيد القادر على ذلك، ومن دون ذلك سنبقى نراوح مكاننا، وشخصياً لستُ متفائلاً في إمكان حصول لك».

ورداً على سؤال أوضح المرجع عينه «خلافاً لكل ما يُقال من هنا وهناك، أستطيع أن أؤكّد أنّ «حزب الله» سيلتزم وقف إطلاق النار حال سريانه بصورة جدّية وموثوقة».

وثمة سؤال ملحّ في موازاة خرق الهدنة: لماذا لم تلتزم إسرائيل بوقف إطلاق نار شامل؟ حول هذا السؤال، كشف مرجع سياسي لـ «الجمهورية»، أنّ هناك ثلاثة أسباب أساسية:

السبب الأول، هو أنّ إسرائيل، بالتفاهم مع الولايات المتحدة، تعتبر أنّ أي وقف شامل لإطلاق النار من دون خطوات عملية تؤدّي إلى فرض الدولة اللبنانية سيادتها على كامل أراضيها ونزع سلاح «حزب الله»، سيمنح الحزب فرصة لإعادة تنظيم صفوفه، واستعادة قدراته العسكرية، وتطويرها مجدّداً. بالتالي، فإنّ أي وقف نار غير مرتبط بإجراءات فعلية على الأرض يعني، بالنسبة إلى إسرائيل، السماح للحزب بإعادة تكوين قوّته، وهي لا تريد الوصول إلى هذا الواقع، خصوصاً بعد التجربة العملية بين 27 تشرين الثاني 2024 و2 آذار 2026.

السبب الثاني، إنّ الدولة اللبنانية، حتى اللحظة، لا تريد تنفيذ القرارات التي اتخذتها سابقاً، ولا سيما في 5 آب و2 آذار، والمتعلّقة ببسط سلطة الدولة وحصرية السلاح، على قاعدة أنّ السلم الداخلي أهم من السلم مع إسرائيل، لذلك، فإنّ أقصى ما يمكن الوصول إليه حالياً هو استمرار وقف إطلاق النار القائم بالصيغة الحالية. أمّا الانتقال إلى وقف شامل ونهائي للنار، فيتطلّب من الدولة اللبنانية التزاماً واضحاً بمسألة نزع سلاح «حزب الله»، وهو أمر لا يزال غير مطروح عملياً.

أمّا السبب الثالث، فهو أنّ الولايات المتحدة تتفهّم إلى حدّ كبير المقاربة التي يعتمدها بنيامين نتنياهو. فهي تريد إبقاء بيروت والبقاع خارج دائرة المواجهة الواسعة قدر الإمكان، لكنّها في الوقت عينه لا تريد ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل يؤدّي إلى عودة «حزب الله» لترميم قدراته العسكرية واستعادة هامش حركته السابق.

وخَلُص المرجع إلى القول: «بالتوازي مع ذلك، تبقى هذه التطوُّرات مرتبطة أيضاً بمسار التفاوض الأميركي - الإيراني، لأنّ جزءاً أساسياً من المشهد اللبناني لا يزال متأثراً مباشرة بما يجري بين واشنطن وطهران. لذلك، يجب ترقّب ما قد يحصل بين اليوم والاجتماعات المرتقبة، سواء على المسار الأمني في 29 أيار، أو على المسار السياسي بين لبنان وإسرائيل أيضاً في 2 و3 حزيران. فهذه المرحلة تبدو مفتوحة على تطوُّرات متسارعة، والجولة الرابعة من المفاوضات يُتوقع أن تكون حافلة بالمفاجآت والتحوُّلات اللافتة».

وفي السياق، أبلغ مصدر قريب من «حزب الله» قوله «إننا لا نثق على الإطلاق بالتزام إسرائيل بوقف اطلاق النار». وعندما سُئل عمّا إذا كان الحزب سيلتزم بوقف النار والتهدئة إن جرى فرضها، أوضح: «سبق للحزب أن التزم وقف إطلاق النار خلال ما سُمِّيت هدنة العشرة أيام، وخرقتها إسرائيل، واستمرّت في خرقها مع هدنة الثلاثة أسابيع، موقف الحزب معروف بأنّنا لن نقبل بالعودة إلى الوضع الذي كان سائداً قبل 2 آذار، وإبقاء يد إسرائيل متفلّتة بالإعتداءات والإغتيالات. الموقف واضح بأنّ «حزب الله» في موقع دفاع، وسيواصل مقاومة العدو طالما استمرّت إسرائيل في عدوانها واحتلالها للأراضي ومنعها أهالي البلدات الجنوبية من العودة إليها».

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: