افتتاحية LebTalks: بعد 26 عاماً.. عن أي تحرير نتكلّم؟

Untitled

في ذكرى المقاومة والتحرير، لم تعد المشكلة في استحضار مشهد عام 2000، بل في محاولة فرض مشهد وهمي على اللبنانيين اليوم، وكأن الجنوب يعيش انتصاراً فيما هو يعيش واحدة من أكبر نكباته الحديثة.

كيف يملك "الحزب" الجرأة على الاحتفال بالتحرير فيما الجنوب مدمّر، وأهله بين نازح وخائف وخاسر لكل شيء؟ وكيف يتحدث عن "النصر" فيما القرى الحدودية فارغة، والناس عاجزة عن العودة إلى حياتها الطبيعية، وإسرائيل لا تزال تضرب متى تريد وأين تريد؟

المشكلة أن "الحزب" لا يتصرف وكأن الجنوب دفع ثمناً باهظاً، بل وكأن المطلوب من اللبنانيين أن يصفّقوا مجدداً للشعارات نفسها مهما كانت النتائج كارثية على الأرض.

المفارقة الأخطر أن "الحزب" الذي بنى شرعيته لعقود على شعار "حماية الجنوب"، هو نفسه الذي جعل الجنوب يعيش منذ سنوات تحت تهديد الحرب الدائمة، والانهيار الدائم، والخوف الدائم. واليوم، بدل أن يقف أمام الناس لمراجعة حقيقية، يخرج أمينه العام نعيم قاسم ليقول إنهم "يقدّرون ضعف الدولة اللبنانية"، وكأن المطلوب من اللبنانيين التعايش إلى الأبد مع دولة ضعيفة لأن قوة "الحزب" تقوم أساساً على هذا الضعف.

وعندما يقول إن الحزب "مكّن الدولة" من نشر الجيش جنوب الليطاني، فهو يقول بوضوح إن الدولة لا تتحرك بقرارها، بل بإذن منه. وهذه ليست مقاومة تبني دولة، بل قوة تكرّس واقعاً يعتبر أن السيادة تُمنح للدولة عند الحاجة، لا أنها حق طبيعي لها.

أما الأخطر، فهو محاولة "الحزب" التصرف وكأنه غير مسؤول عمّا يعيشه الجنوب اليوم. كأن آلاف العائلات التي تهجّرت، والبيوت التي دُمّرت، والاقتصاد الذي انهار، كلها مجرد أضرار جانبية لا تستحق حتى لحظة مراجعة واحدة.

وفي وقت تتجه فيه المنطقة نحو تفاهمات أميركية ـ إيرانية كبرى، يبدو لبنان مرة جديدة مرشحاً ليكون مجرد ورقة تفاوض أو ساحة رسائل بالنار. ولهذا، لم يعد المطلوب من لبنان مجرد "النأي بالنفس"، بل تحرير نفسه من فكرة أنه وظيفة عسكرية وسياسية داخل مشروع إقليمي أكبر منه.

فأخطر ما حدث بعد تحرير عام 2000، أن الجنوب لم يدخل فعلياً زمن الدولة، بل بقي يعيش داخل منطق الجبهة المفتوحة. واليوم، بعد ستة وعشرين عاماً، يحتفل "الحزب" بالتحرير، فيما الجنوب نفسه لا يزال يدفع ثمن عدم تحرّره الحقيقي.

وفي موازاة هذا المشهد، جاءت العقوبات الأميركية الأخيرة لتكشف عن أن الضغط الدولي لم يعد محصوراً بـ"الحزب" كتنظيم فقط، بل بدأ يقترب أكثر من البنية التي تحمي نفوذه داخل الدولة اللبنانية نفسها.

فحين تطال العقوبات نواباً من "الحزب" وضباطاً داخل المؤسسة العسكرية، فهذا يعني أن الرسالة هنا ليست مالية فقط، بل سياسية وسيادية بامتياز.

أما داخلياً، فلبنان يبدو وكأنه يسقط تدريجياً حتى في مفهوم العدالة نفسه. فالعفو العام الذي يُطرح اليوم لا يُناقش كجزء من مصالحة وطنية شاملة، بل كبازار سياسي وطائفي. كل فريق يريد "عفوه" الخاص، وكل جهة تفاوض على مطلوبين أو محكومين أو مبعدين أو متورطين، وكأن الدولة لم تعد مرجعية قانونية بل مساحة مقايضة مفتوحة.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: